انقضت قمة سرت في ليبيا، التي ترأس وفد الدولة إليها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وقد ألقت على ميدان العمل العربي مهمة عظيمة وهاجساً عربياً قديماً متجدداً، يدور في فلك الحلم العربي في التعاون العربي المشترك، وفك رموز شيفرة العلاقات العربية ـ العربية، لتدخل ميدان التطبيق العملي ولو في أضيق الحدود وأقل القنوات.

والإمارات كانت ولا تزال مسكونة بهذا الهم العربي لوضعه قيد التطبيق والمباشرة، وتنظر إليه على أنه أكثر من رؤى فضفاضة، بل هو واجب استراتيجي تحتمه الظروف الراهنة والواقع على كل الأصعدة. فالوطن العربي الذي أصابته التجزئة، لا يمكن أن ينفصل ما دامت روابط الدين واللغة والتاريخ تجمع كل العرب، إلى جانب أن آمالهم واحدة ومستقبلهم واحد.

كما أن إدراكنا لحجم الأخطار التي تهدد أوطاننا وثرواتنا وحضارتنا ومصيرنا، تجعلنا قادرين ولا شك على تخطي الخلافات بقوة وصلابة بدل الانقسام والفرقة، وعلينا أن نجعل الأمر الواقع على عكس ما يحاول أعداء أمتنا فرضه. وعملاً بهذا الفكر الناضج والحس القومي الحي النابض، كانت رؤية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، لجميع المشكلات العربية، تنطلق من إحساس قومي صادق وعميق.

فقال: «إننا في دولة الإمارات العربية المتحدة ننطلق في نظرتنا للقضايا العربية بأنها قضايا مرتبطة ببعضها، وبأن الألم العربي ألم واحد، وحينما يتألم العربي في فلسطين المحتلة أو في لبنان، فإن هذا الألم يصيب أبناء الإمارات، وكذلك عندما نتوصل إلى حل مشكلة عربية معينة، فإن الانفراج يصيبنا جميعاً، فالأمن القومي العربي واحد، ولا يمكن أن يشعر أحد منا بالطمأنينة ومنزل أخيه يتصدع وأمنه وحياته معرضان للخطر».

فرؤية الإمارات تنطلق من وحدة الألم والأمل، وتدرك أن الأمن العربي واحد، وأن العدو الذي يسعى إلى اختراقه، يعمل ما في وسعه لتنفيذ خططه ومؤامراته. لذلك فلا بد من التضامن والتآزر لمجابهته، ولذلك ترى دولة الإمارات أن اللقاءات العربية كفيلة بصيانة العمل العربي، وسد الثغرات التي تعتري هذا العمل، وتتمنى أن تزول الخلافات العربية، حتى تجد الأمة العربية المكانة اللائقة بها في عصر العولمة الذي لا مكان فيه للكيانات الصغيرة أو الضعيفة.

ولا شك أن أولى خطوات تفعيل العمل العربي المشترك، تبدأ من مد جسور الثقة بين مختلف العواصم العربية لتسهيل تحقيق تضامن قادر على استثمار كافة الإمكانات المتاحة، لمواجهة مختلف التحديات التي تواجهنا، والارتفاع فوق الخلافات الثنائية والجانبية، إلى المستوى الذي يجعلنا قادرين على التلاقي وتبادل الرأي بروية ومسؤولية، والاتفاق على موقف محدد واضح.

وذلك ما أكده صاحب السمو رئيس الدولة في عدة مناسبات، وقال: «إن الوقت لم يفت لإنقاذ الموقف ورأب الصدع في وحدة الصف العربي، لأن استمرار التمزق ضرب من المستحيل، ولا بد أن تعود الروح إلى العمل العربي المشترك، وتكون وحدتنا هي السبيل لمواجهة عدونا المشترك. وقد حان الوقت لكي ندرك حقائق هذا العصر، أن عالم اليوم لا يقيم وزناً ولا يلتفت إلى قضية إلا بقدر القوة الضاغطة لأصحابها.. ولهذا يجب أن يكون لنا تحرك وموقف، لأن حقوقنا لن ترد إلينا بمجرد التمني».

وقبل ذلك، كان إيمان المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله تعالى، عميقاً بمبدأ التضامن العربي، باعتباره وسيلة للتغلب على عوامل التمزق، وسلاحا لكسب القضايا وتحقيق الأماني العربية المشتركة. ومن أجل ذلك أكد وقوف الإمارات بكل ثقلها وإمكانياتها، إلى جانب الأشقاء العرب، وتحمل نصيبها من أجل استعادة الأرض العربية المحتلة، وظل يعمل بجهد كبير من أجل إنهاء الخلافات العربية بين الأشقاء، فقام، رحمه الله، بدور الوساطة بين العديد من الدول العربية، فضلاً عن زياراته المتكررة للأقطار العربية.

وهو لا يستهدف من ذلك كله إلا تقريب وجهات النظر وعوامل الاتفاق، وتبديد عوامل الاختلاف والتمزق، ولتحقيق وحدة الصف العربي. فقد كرست الإمارات ثقلها السياسي وإمكانياتها المادية، من أجل الوحدة والتكاتف بين الأقطار العربية، وهي لا تألو جهداً في دعوة القادة العرب والشعوب العربية إلى العمل الجاد من أجل تجاوز أية خلافات طارئة بين الدول العربية.

وليس بعيداً عن الواقع تجربة اتحاد الإمارات، التجربة الوحدوية المعاصرة الناضجة، التي أصبحت مضرب المثل في القدرة على استيعاب متطلبات المستقبل وضرورات الحاضر، كما أن تجربة مجلس التعاون الخليجي تعد من أكثر محاولات التجمعات الإقليمية العربية نجاحاً وقدرة على الاستمرار.

حتى أصبح المجلس كياناً اقتصادياً يدفع في اتجاه دعم الجهود الوحدوية الاقتصادية العربية، نحو تحقيق الحلم العربي. وإذا كان التعاون العربي ومن ورائه الوحدة العربية حلماً لدى الكثيرين، فإنه واقع ونبض حي تعيشه الإمارات وتتولى الدعوة إليه والمساهمة فيه بكل ثقلها، وستظل رائدة في نسج خيوط التقارب والتضامن بين جميع العرب.