مع كل خطوة تخطوها اسرائيل في الاتجاه المعاكس لمسيرة السلام المتفق عليها إقليميا ودوليا، تفضح جزءا من نواياها للانعزال والفاشية، واذا كانت الظروف الراهنة تعطي قيادات اسرائيل الانطباع بأنهم فوق المساءلة القانونية، فإن ذلك لن يدوم طويلا كما تشير كافة الدلائل على المسرح الدولي، لكن الضرر المترتب على التساهل مع النزوع الاسرائيلي صوب الفاشية قد ينعكس ايضا على الذين يدعمون هذا التوجه الاسرائيلي، بحيث يصبح التمييز العنصري والعدوان باسم محاربة الإرهاب والفاشية تحت اسم الديمقراطية والانعزالية تحت اسم (دولة لليهود فقط) نماذج قد تحتذيها جماعات انفصالية في الغرب مثل جماعات تحرير كورسيكا في فرنسا أو جماعات الباسك في اسبانيا أو في ايرلندا الكاثوليك والبروتستانت، أو الجماعات التي لا تؤمن بالفيدرالية الاميركية وتسعى للانفصال عن الولايات المتحدة وهي غالبا لا تتعرض لاضواء الاعلام المعاصر الا انها موجودة ومسلحة وتعلن عن نفسها في مناسبات عدة، وتجد انصارا يتزايدون كلما شعروا بهيمنة جماعات الضغط المالية والصناعية فضلا عن الإذعان لاسرائيل.
إن الذين يتساهلون مع الفاشية الاسرائيلية إنما يرسمون طريقا لتفكك بلدانهم ، بل إنا قد تابعنا مثالا لذلك في استفتاء جرى في بلجيكا مؤخرا وأثار ذعر أوروبا كلها بسبب التوازن الحساس بين عرقي الوالون والفلمنك الذين يتنازعون على السيادة والسلطة أو يهددون بالانفصال، حيث يميل الفلمنك إلى هولندا في الشمال ويميل الوالون إلى فرنسا في الجنوب.
لذلك فإن التقاعس الاميركي الاوروبي عن ردع الغوغائية والعبث السياسي الذي تمارسه اسرائيل للهيمنة على الاراضي والشعوب التي تحتلها سيكون له مردود بالغ السوء مستقبلا حينما تتغير موازين القوة العسكرية والاقتصادية في العالم، وتتداعى بؤر النفوذ المتحكمة حاليا في قمم السلطة بتلك البلدان الأوروبية والاميركية.
إن اجراء استفتاء بين اللصوص على إعادة المسروقات هو امر خطير، يشرع للفوضى السياسية على خارطة العالم، فاستفتاء الاسرائيليين على إعادة هضبة الجولان أو ضم القدس أو يهودية الدولة إلى غير ذلك من هرطقات سياسية، إنما يمهد السبيل امام انتشارها في الدول التي تشجع الداخل الاسرائيلي على هذه الممارسات وترضى بها رغم مخالفاتها الصريحة للمواثيق الدولية.
وهي ممارسات تثير القلق حتى داخل اسرائيل نفسها مخافة ان تتفكك الدولة باستمرارية هذه الممارسات، ويندرج ضمن هذه الممارسات عرض حكومة اسرائيل على الجانب الفلسطيني القبول (بيهودية الدولة) مقابل تجميد الاستيطان وهي مقابلة غير مشروعة فوقف الاستيطان مطلب دولي ملزم بموجب قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ولا يحتاج إلى ثمن من الجانب الفلسطيني لتنفيذه، ناهيك عن ان القبول بهذا العرض يشكل خطرا على البنود المعلقة من القضية الفلسطينية وأولها عودة اللاجئين إلى موطنهم الاصلي ومصير العرب المقيمين في اسرائيل حاليا.
اذا بالقطع ليست اسرائيل وحدها هي التي تلعب بالنار تحت مظلة الحماية الاميركية الاوروبية، انما النار ستمسك لا محالة في أثواب الذين يدعون انهم وسطاء في القضية، بينما كل الدلائل تشير إلى انحيازهم المطلق لإسرائيل، وإن غدا لناظره قريب.
