وقع الرئيس الروسي دميتري مدفيديف، منذ أيام قليلة، مرسوما يحدد معايير تطبيق قرار تشديد العقوبات على إيران الذي اتخذه مجلس الأمن الدولي في يونيو الماضي. وتحظر هذه الوثيقة تزويد الجمهورية الإسلامية بمنظومات إس - 300 والمدرعات والطائرات والمروحيات والسفن الحربية، وقد لقي هذا الأمر ترحيبا كبيرا في الولايات المتحدة ودوائر أخرى.
وتوقع الكثيرون أن تحدث ردود فعل قوية من الجانب الإيراني، كما انتظر الكثيرون تصريحات هجومية حادة من الرئيس الإيراني نجاد، لكن شيئا من هذا لم يحدث، بل سادت الطرف الإيراني حالة من الصمت أثارت تساؤلات العديد من المراقبين، اللهم إلا بعض التصريحات من شخصيات ليست ذات أهمية أو وزن في دائرة صنع القرار في طهران.
وفسر البعض الصمت الإيراني بأنه جزء من مسلسل متفق عليه بين موسكو وطهران، باعتبار أن إيران ليست بحاجة لهذه الأسلحة الاستراتيجية الآن، وأنها عندما تكون مهددة تهديدا حقيقيا فإن روسيا لن تمنع عنها هذه الأسلحة.
ولكننا نرى أن هذا التفسير ليس صحيحاً على إطلاقه. هناك بالفعل أشياء ومواقف متفق عليها بين موسكو وطهران، ولكن هناك مواقف أخرى يتخذها كل من الطرفين دون اتفاق أو مشورة مع الآخر، وتسبب هذه المواقف ارتباكا أشبه بالصدمة في العلاقات بين البلدين.
وهذا القرار الذي اتخذه الرئيس ميدفيديف وأصدر به مرسوما رسميا، هو من هذه المواقف المربكة، ويستدل على ذلك بصمت طهران وعدم صدور ردود فعل حادة منها على هذا المرسوم، ولو كان متفقا عليه بينهما كتمثيلية، لكان الأولى أن تصدر كالعادة تصريحات حادة من طهران حتى تنضبط الخدعة أكثر.
الملفت للنظر أيضا، وحسب الدوائر الإعلامية في البلدين، أن هناك لجانا في البرلمان الإيراني منكبة على دراسة وتحليل هذا القرار الروسي، والتقطت الصحف تصريحا لنائب برلماني إيراني يدعى علاء الدين بوروجردي، لم يستبعد فيه أن تلجأ طهران لمقاضاة موسكو لإخلالها بشروط العقد الموقع مع الجانب الإيراني.
وقال بوروجردي الذي يشغل منصب رئيس اللجنة البرلمانية للأمن القومي والسياسة الخارجية، أنه لا يستبعد أن تنتقل قضية تزويد إيران بصواريخ إس - 300 إلى أروقة المحاكم، وفي حال امتنعت روسيا عن التصدير فعليها دفع تعويضات لإيران. ورغم هذا، عبر بوروجردي في الوقت ذاته، بلغة هادئة، عن أمله في أن يفي الجانب الروسي بالتزاماته.
ومن الجدير بالذكر أن موسكو كانت قد وقعت عقد المنظومات الصاروخية مع طهران في عام 2007 بقيمة 800 مليون دولار، ويمكن للإيرانيين نظريا مطالبة روسيا بدفع غرامات التأخير، لكن بند «الظروف القاهرة» يحرر المتعاقدين من الالتزامات المادية في حال عدم تنفيذ العقد، وهذا ما صرح به وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.
عندما قال إن «عدم تزويد إيران بمنظومات صاروخية من طراز إس 300، يندرج تحت بند الظروف القاهرة الذي يعفي روسيا من دفع غرامات». تصريح لافروف يعني أن موسكو على علم بالمناقشات الدائرة في البرلمان الإيراني وتراقبها عن بعد، وهو ما يدعم رأينا بأن المسألة في هذه المرة ليس متفقا عليها مسبقا بين الطرفين، بل هو موقف منفرد من موسكو لم تكن طهران تتوقعه.
أيا كان الأمر، فإن المناقشات حول هذه القضية سابقة لأوانها، فحتى اللحظة لم يتم تقديم شكوى قضائية ضد الجانب الروسي، كما لم تصدر تصريحات حكومية إيرانية حول إمكانية رفع الدعوى.
وعلى ما يبدو فإن طهران تحاول استكشاف الموقف الروسي، ومن المستبعد أن تقدم طهران على اتخاذ خطوات حادة أو أن تلجأ بالفعل للقضاء، خاصة إذا علمنا أن نسبة غرامات التأخير في عقود كهذه تتراوح بين 5% و10% في حال الامتناع عن تنفيذ العقد، وفي هذه الحالة فإن الحديث يدور عن زهاء 80 مليون دولار فقط، وهذا المبلغ ليس ضخما بالنسبة لروسيا، كما أن إيران لن تنجرف إلى مواجهة مع روسيا بسبب مبلغ كهذا.
ومن المرجح أن تتخذ طهران موقفا متريثا وهادئا، وألا تقرر مخاصمة موسكو بشكل نهائي، خاصة وأنها لاتجد حولها إلا عددا قليلا من الحلفاء. ولهذا من المتوقع أن تمر المسألة بهدوء، في انتظار استكشاف توجهات السياسة الروسية في الفترة القادمة.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني