سيدتي الجليلة دكتورة كارول هيلينبراند، أستاذة التاريخ الإسلامي بجامعة أدنبرة المحترمة.
من بعد محبتي وتقديري، أود أن أبادر بتهنئتك بصدور الطبعة الجديدة من كتابك «الحملات الصليبية من منظور إسلامي»، الذي لم يتردد أستاذنا الراحل دكتور عبدالعظيم أنيس في وصفه بأنه «كتاب أسطوري بكل المقاييس»، والذي أجمع علماء التاريخ في الشرق والغرب على وصفه بأنه أعظم إنصاف لنضال العرب والمسلمين في مواجهة الغزو الصليبي. وبهذا المعنى فإن هذه الرسالة هي تهنئة لك، ولنا نحن العرب جميعاً.
عندما صدرت الطبعة الأولى من سِفرك الجليل هذا، جاءت لتواكب الذكرى التسعمئة لأولى الحملات الصليبية، ولفت الكتاب على الفور أنظار الجميع، لاعتماده على المئات من المراجع العربية والإسلامية، ولتميزه بدسامة البحث، وعمق التحليل وموضوعيته، على امتداد أكثر من ستمئة صفحة من القطع الموسوعي.
كان ما أذهلني حقاً أن هذا الكتاب جاء على خلفية من غياب أي تناول معمّق لهذا الموضوع في المكتبة العربية الحديثة، باستثناء كتابَيْ د. سعيد عاشور «الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين والمغول في العصر المملوكي» و«الحروب الصليبية» للباحث السوري زكار.
وفي حينه، بادرت إلى كتابة ثلاثة عروض مطوّلة للكتاب، نُشر أولها في الإمارات، وثانيها في السعودية، وثالثها في الكويت، وأسعدني أن تشارك في إثارة الاهتمام بالكتاب في عالمنا العربي، الذي توجّ بحصولك على جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية عام 2005، حيث أشادت اللجنة بكتابك.
وبجهودك في الدراسات التي تناولت دفاع المسلمين عن ديارهم في القرنين الخامس والسادس الهجريين بحثاً وتدريساً وإشرافاً. يومها تطلعت إلى أن يشق هذا الكتاب سريعاً طريقه إلى اللغة العربية، عبر ترجمة مشرقة ينجزها أحد فحول المترجمين العرب، أو فطاحل الدراسات التاريخية العرب، وهم كُثر.
يؤسفني، سيدتي، أن ذلك لم يحدث حتى الآن، ولا يزال كتابك بعيداً عن أيدي الباحثين العرب، ولم يحقق الدفعة الكبرى التي توقعتها في الدراسات العربية لهذا الموضوع المهم. لقد كان من أهم ملامح كتابك، سيدتي، تشديدك على أن الحروب الصليبية ليست شيئاً ينتمي إلى التاريخ وحده، وإنما نحن نشهد اليوم استمراراً لها، بلغة أخرى في المشروع الصهيوني، الذي يواصل الانتشار والتمدُّد على الأرض العربية.
كنت أنت، سيدتي الجليلة، مَنْ علّمنا أن الحروب الصليبية لم تنته بين عشية وضحاها في عام 1291، مع تحرير المسلمين لعكا، وإنما استمرت الهجمات المتبادلة طويلاً بين الجانبين، إلى أن انحسر آخر وجود عسكري أوروبي عن شرقي المتوسط.
في روح كتابك، في جوهره، في صميم معناه، على الأقل كما فهمته أنا وفهمه كثيرون غيري من الساعين إلى المعرفة، تكمن الحقيقة الواضحة والصريحة والمحددة؛ وهي أن المشروع الصليبي تبدّد، وذهب عبر الأفق من حيث جاء، لأن نضال العرب والمسلمين جعل هذا المشروع أكثر تكلفة على القائمين به من أن يواصلوا الاستمرار فيه، ولهذا فإنه انقضى كأنما لم يكن له وجود، ولم يبق من الصليبيين إلا قبضة من قلاع، تلقي ظلالها الكئيبة على الأفق.
هذه الحقيقة هي نفسها تنطبق على المشروع الصهيوني، لسوف يظل قائماً على أرضنا طالما أن نضالنا لم يجعل بعد ثمن استمراره باهظاً للغاية، بحيث يحجم القائمون عليه والمشاركون فيه عن مواصلة دفعه. أليس هذا هو على وجه الدقة ما حدث للمشروع العنصري في جنوب إفريقيا؟ دعينا نتذكر معاً، سيدتي، كيف أن البرتغاليين حملوا المدافع والبارود على ظهور سفن «الكارفيل» واقتحموا بها المحيط الهندي، الذي كان يوماً بحيرة إسلامية هادئة، ولم يغادروه إلا بعد أن أصبح ثمن الاستمرار في مشروعهم الدموي أغلى من أن يدفعوه.
ولكن تلك، سيدتي، قصة أخرى، جديرة بأن نتدارسها يوماً.
