استمعت إلى حلقة تلفزيونية، كان موضوعها أن النبي العربي محمد بن عبد الله احتاج إلى الاستدانة من أحد تجار المدينة، وكان يهودياً، ولكن هذا الأخير رفض الاستجابة لطلبه من غير رهن، فاضطرّ النبي إلى رهن درعه.

واللافت في هذه الحكاية أن معدّ الحلقة قد أربكه تصرّف النبي في التعامل مع دائنه، ولذا راح طوال ساعة يشرح للمشاهدين ملابسات القضية، باحثاً للنبي عن الأعذار والمسوغات التي حملته على رهن درعه لدى شخص يهودي.

ومن جملة ما تفتّقت عنه مخيلة محدثنا، أن اليهودي كان تاجراً ولم يكن محارباً، وأن النبي كان يملك أكثر من درع.

وأنا أتخيّل أن معدّ الحلقة، ومن هم على شاكلته، يِعجبون كيف أن النبي، وهو صاحب الأمر، لم يتصرف إزاء اليهودي من خلال مكانته أو سلطته أو هويته، كنبي أو كحاكم أو كمسلم، بل تعامل معه كنظير له في الخلق، وكما يتعامل أي فرد تجاه أي فرد، وفقاً للأعراف والقواعد السائدة يومئذٍ في المعاملات التجارية، وذلك من غير تمييز على أي أساس كان.

ومصدر عجبهم أنهم لو كانوا مكان النبي لضغطوا على التاجر أو حاولوا ابتزازه أو مصادرة ممتلكاته، باعتباره الآخر، المشرك أو الكافر أو الذمّي الذي لا يستحق أن يعامل على قدم المساواة مع المسلم.

هذا هو المسكوت عنه في حديث الحلقة التلفزيونية، وهو مرعب بقدر ما هو فاضح. ولا أراني أبالغ أو أتعسّف في القراءة. على هذا النحو ينظر البعض إلى غير المسلم أو غير المؤمن الذي يُعمَل على تأثيمه أو أبلسته أو تجريده من إنسانيته.

من ناحية أخرى، كان لافتاً، وربما صادماً، كلام الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، حول الجمع بين العقيدة الإيرانية والعقيدة الإسلامية، بين نموذج قورش وتعاليم النبي محمد، الأمر الذي دفع حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان» الإيرانية، للتعليق على الكلام بما يشبه الردّ (راجع افتتاحية شريعتمداري مترجمة إلى العربية في جريدة «الحياة»، الأربعاء 22 سبتمبر 2010).

وكلام أحمدي نجاد يعني ظهور ما هو مكبوت على السطح، وما يشكل المحرك الأصلي للمشروع الثوري الإيراني، من وراء الدعوات الدينية والكليشهات الايديولوجية. وأنا لم أكن أنتظر تصريح نجاد لكي أدرك ذلك، لأنني أعتبر أن إيران دولة قومية بالدرجة الأولى، قد تسخر الشعار الديني أو رأس المال الرمزي الشيعي لمصلحتها، وربما لمصلحة النظام القائم.

ولذا فإن علاقتها بالشيعة، العرب أو غير الإيرانيين، هي مجرد غطاء أو ذريعة أو قشرة إيديولوجية تطمس الدور الاستراتيجي الذي تريد أن تلعبه، والذي يقوم على إعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة، على الصعيد الجغرافي والسياسي أو على الصعيد الطائفي والمجتمعي.

من هنا، فإن إيران قد تدعم التنظيمات والجماعات السنية المؤيدة لسياستها، إذا اقتضى الأمر ذلك، ومعروف أنها وقفت مع أرمينيا ضد آذربيجان الشيعية. ولعلّ هذه أيضاً علاقة الدولة التركية بالسنّة العرب أو غير الأتراك.

فالعامل القومي هو الأولى، مع فارق أن تركيا تلعب اليوم دور الوسيط، وأنها نجحت في مشاريع التنمية، وليس لها مشروع لتصدير العقيدة والثورة أو لممارسة الهيمنة حيث يمكنها ذلك.

ولذا، فأنا لا أعتبر أن ما قاله الرئيس الإيراني، يعبّر عن بساطة أو هو مجرّد هفوة، أو أنه لا ينسجم مع آراء الرجل في النظام الإسلامي، كما يفسّر كلامه شريعتمداري. بالعكس، ما صدر عن نجاد يعبر عن تحول جذري في موقفه، يتوافق به مع مدير مكتبه اسفنديار مشائي، الذي تتقدم عنده العقيدة الإيرانية على العقيدة الإسلامية.

وهذا التحوّل لا يحصل في فراغ ولا هو قفزة في المجهول، وإنما تعبير عمّا هو محجوب أو مكبوت أو دفين، بقدر ما هو تجسيد لما نجهله أو نتناساه أو لا نفهمه ولا نفكر فيه، مما يقف وراء ما نطرحه أو نلعبه من الشعارات والأدوار، وكما يتمثل ذلك في اللغة والثقافة ونمط العيش والعقل الجمعي..

وسواها من العناصر والعوامل التي جعلت كل شعب من الشعوب الإسلامية، غير العربية، تصنع إسلامها وفقاً لخصوصيتها القومية والثقافية، أو تزايد فيه على العرب الذين صدّروه إلى العالم، أو تلتف عليه أو ترتد ضده، وكما يوحي كلام رحماني الذي يقول بنهاية العقيدة الإسلامية. وما يصرح به هو التعبير الأقوى والأعمق عن الوجدان الإيراني.

وهذه حال الترك والكرد والأفغان والباكستانيين والأمازيغ والسريان، وسواهم من الشعوب التي اعتنقت الإسلام أو انخرطت في الحضارة الإسلامية؛ مع تفاوت أولاً في علاقة كل من هذه الشعوب بالعرب، وردّات فعلهم تجاه ما مارسه هؤلاء من إمبريالية لغوية وسياسية؛ ومع تفاوت ثانياً في إسهام كل منها في الحضارة الإسلامية. ولا شكّ أن لإيران المساهمة الكبرى في هذا الخصوص.

لنعترف بالواقع، إذا شئنا أن لا نخدع أنفسنا وغيرنا. فللتاريخ ثقله وللتراث حقه، وما يجري طمسه إنما يعود، ولكن على نحو سيئ أو بصورة مدمرة أو إرهابية.

ولذا، فأنا لا أعترض على رجوع الإيرانيين إلى تعاليم قورش، ولا إلى المذاهب لدى الفرس القدماء، كالمذهب المجوسي الذي كان يمتاز بأنه مذهب إنساني منفتح، كما يروي عنهم إخوان الصفاء، يقوم على نُصرة الواحد لجماعته وعلى إسداء النفع لجميع الناس. وهذا أحوج ما نحتاج إليه، اليوم، حيث تسود وتزدهر، في مجتمعاتنا، الغرائز العمياء والنفوس الموتورة والعصبيات الطائفية العنصرية والبربرية.

في أيّ حال، التراث الإيراني القديم، شأنه شأن أي تراث آخر، هو جزء من تراث البشرية، ويمكن العودة إليه واستلهامه، لاستثماره في فهم الحاضر وصناعته، وبعكس ما يظن شريعتمداري.

لإيران، إذا ومن حقها الجمع بين التراث الإيراني والتراث الإسلامي، أو تقديم العنوان القومي على العنوان الديني. ولكن، لا يعود، عندئذٍ، بوسعها أن تتحدث عن جمهورية إسلامية أو أن ترفع شعار ولاية الفقيه، ومن باب أولى أن لا يعود بوسعها أن تمارس الوصاية على الشأن الإسلامي.

أخلص من ذلك إلى القول بأن ما نحتاج إليه، هو القليل من التقى والتواضع والتخفف من الادعاءات الكبرى والمشاريع الشمولية. فعروض القوة وسياسة الغطرسة، ما عادت تجدي نفعاً في أي مكان.

كاتب ومفكر لبناني

harb@cyberia.net.lb