متى ظهر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومتى تم التوقيع عليه؟ إذا كانت السنوات التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، تشكل بداية ظهور ذلك الوعي العالمي بقيم جديدة، مثل مبادئ حقوق الإنسان ومعاملة أسرى الحرب (أنسنة العداوات)، فإن الاستنتاج الذي يفوتنا غالبا هو أن قيم الإخاء الإنساني، حديثة العهد.
من وجهة نظري، فإن هذه الملاحظة ستشكل طرف معادلة سيقودنا إلى سؤال: أيهما أسبق، القيم الانسانية أم الغرائز التي يولد الإنسان وهو يحملها؟
إن غرائز الإنسان في مجموعها تدور حول «الأنا»، أي بعبارة أخرى؛ إن كل دوافع السلوك البشري التي نولد بها هي دوافع «أنانية»، فيما قيم الإخاء الإنساني من مساواة وعدالة وحرية وحقوق إنسان، هي قيم مكتسبة. ماذا يمكن أن تعني هذه الملاحظة؟
لو بحثنا في الجذر الجامع لكل ما يشكو منه الناس في أي مجتمع وبلد، سنجد أنفسنا في النهاية أمام دافع وحيد: «الأنانية».
أيا كان ما يشكو منه الناس في أي مكان؛ الفقر، غياب العدالة.. وكل أشكال المظلوميات يجمعها جذر وحيد مرده السلوك الإنساني. فالتفاوت الطبقي، والظلم بأي شكل، لا منهج له، بل هو غريزة إنسانية.
وإذا كانت حداثة منظومة القيم الجديدة (حقوق الإنسان.. الخ) ستلفت انتباهنا لأمر ما، فهي ستذكرنا بأن الأصل لدى الإنسان هو الغريزة التي يولد بها، وأن كل أشكال السلوك المتحضر ليست سوى سلوكيات اكتسبها الإنسان بالتجربة. وإذا كان هذا من شأنه أن يثبت شيئا، فهو يثبت من جديد أن الأنانية كمحفز ودافع للسلوك، أسبق وأكثر تأصلا في نفوس الناس من القيم الإنسانية.
لا يجادلن أحد كثيرا بتعاليم الأديان، فالأديان منذ ان ظهرت قبل آلاف السنين، باقية وقائمة، والمظالم باقية أيضا. ولا نواميس ومنظومات الأخلاق أيضا، فهذه موجودة وقائمة والشكوى والمظالم مستمرة، بل تتفاقم.
الاحتلال؟ احتكار السلطة؟ الدكتاتورية والاستبداد؟ التفاوت الطبقي؟ الفقر؟ التمييز؟ النزعات الطائفية؟ الاستغلال بكل أشكاله؟ كل هذه مردها الأنانية، أنانية نخبة أو طبقة، أو حتى طائفة بأكملها أو جيش أو طبقة دينية. حتى في وسط هؤلاء، تنفرز عصبة أو نخبة صغيرة لتمسك بزمام السلطة والثروة معاً.
الأنانية، هي التي ستدفع دوما لاحتكار السلطة واحتكار الثروة، واستبعاد الآخرين.
إن التحليل الاقتصادي لمشكلة الفقر في أي بلد، سيدفعنا حتما لفهم الأسباب، لكننا سنجد أنفسنا في النهاية أمام الجذر نفسه: الأنانية. سواء كانت أنانية المصارف أو جشع الشركات أو نخبة سياسية فاسدة.
أما الاضطهاد، بشتى أشكاله، الموجه لجماعة من الناس، فهو لا ينم إلا عن كراهية تحركها أنانية لدى من يمارس الاضطهاد، تجعله ينكر أي رباط بالإخاء الإنساني يجمعه مع من يضطهدهم.
أن يكونوا شركاء له في الإنسانية وفي الحقوق التي تقرها الشرائع السماوية بداية، قبل أن نتحدث عن المواثيق الدولية. إن إنكار المساواة والإخاء هو البداية لتأصيل الكراهية، والكراهية وليدة الأنانية.
على هذا النحو، تصبغ الأنانية كل شيء في المجتمع، وتصبح هي المقياس الذي يحدد الاتجاهات التي يسير فيها هذا المجتمع. هنا يبدو السير نحو المستقبل محفوفا دوما بالمخاطر، لأن النخبة لا تفكر إلا في استمرار الوضع القائم بما يتيحه لها من سيطرة، لهذا تصاب هذه المجتمعات بالعجز في كل الميادين تقريبا، ويصبح السير نحو المستقبل أكثر بطأ.
إذا أخذنا بلدا مثل الولايات المتحدة، فإن تاريخها عبارة عن حركة مستمرة ما بين التقدم والنكوص. فالديمقراطية لم تكن في أفضل الأحوال طيلة التاريخ الأميركي، بل إن هذا التاريخ شهد مراحل تراجعت فيها قيم الديمقراطية بشكل مخيف، مثلما كان الحال مع حقبة الاضطهاد المكارثي في الخمسينات مثلا.
لقد انتفض الأميركيون ضد الاضطهاد المكارثي، لكن نفس القيم التي نشأت عليها المكارثية عادت لتحيا من جديد في عهد الرئيس جورج دبليو بوش. أما العنصرية واضطهاد المهاجرين، مثلما جرى مع الإيطاليين في العشرينات، فلقد كانت ثقوبا سوداء في الديمقراطية الأميركية.
أليس اضطهاد الآخرين بسبب عرقهم أو لونهم، هو نوع من الأنانية تمارسه نخبة أو شعب تحت تنظيرات تستند كلها إلى جذر وتفسير أناني، التفوق الأبيض مثلًا؟
السلوك البشري ليس سوى صراع بين دوافع محض أنانية، وبين قيم إنسانية جديدة مكتسبة. قيم مكتسبة نشعر دوما بالحاجة لتعميمها ونشرها وتعليم أجيال من الصغار الكبار لكي يتشربوا بها، لكنهم يتقبلونها بصعوبة، لأن استجابة الإنسان لدوافعه الأنانية أسرع وأقوى من استجابته لقيم تحثه على التخلي عن أنانيته.
لكن الأنانية، هي التي كتبت تاريخ العالم حتى اليوم. ألا يشكل هذا دليلا قويا ومؤكدا على أن قيم الإخاء الإنساني غير المجربة أكثر جدوى بكثير؟ أكثر جدوى، لأنها تنزع كل ما تزرعه الأنانية من عداوات وأحقاد ويأس، أي كل ما يجعل البشر يميلون إلى كل نوازع ما يعانيه العالم منذ أمد طويل: النزاعات والحروب.
كاتب وصحافي بحريني
m.alobaidley@gmail.com