ما جرى في العصور الحديثة، حمل المصطلحات المعتادة إلى عوالم اللامألوف، وغرائبيات أقرب إلى العبث لكن الموجه، وهو هين على وعينا الراهن إن كان قادرا على استيعاب بشرى جورج بوش الابن بشأن الفوضى الخلاقة.

المقصود هو بدء القوى العظمى منذ أواخر القرن الماضي، في إدارة العالم كشركة كبرى، مع مداراة الضمير الآدمي ببعض الاهتمام الاجتماعي، عبر نثر بعض منظمات الإغاثة الإنسانية. آخر تمظهرات المفهوم الجديد للدولة، اختصارها في شخصية محتكر اعتبارية وجدية، هو عضو في أقوى ناديين على وجه الأرض: مجلس الأمن، والنادي النووي.

ما يهمنا في هذا المجال هو النادي النووي. أعضاء هذا النادي، بالإضافة لأعضاء مجلس الأمن (أميركا، روسيا، الصين، فرنسا وانجلترا)، هم الهند وباكستان وإسرائيل وكوريا الشمالية، بعدما تخلت جنوب إفريقيا طواعية عن قوتها النووية العسكرية.

على هذا يمكن لنا تتبع الصلة بين الناديين، فمجلس الأمن هو أهم أداة في يد النادي النووي لضبط النفس وضمان رسوخ مفهوم الردع بين أعضائه، وضمان بقاء هاجس فناء الكرة الأرضية مخيما على نطاق الحروب، وضابطا لها في حدود استخدام الأسلحة التقليدية.

النادي النووي، هو عنوان احتكار القوى الكبرى لهذه التقنية البغيضة عسكريا والانقاذية سلميا، لكن الستار الاحتكاري لم يعد حديديا مع اختراقات مبرمجة، مثل الحالات الهندية والباكستانية وقبلها الاسرائيلية وآخرها الكورية الشمالية، لجهة لعبة العض على الأصابع والتلويح بأوراق تحت الطاولة بين القوى الكبرى، وتحديدا المثلث الأميركي الروسي الصيني.

لكن، هل الهدف من وراء تأسيس هذا النادي حقا هو منع الحروب النووية الماحقة، أم أنه يخفي وراءه ما هو أهم، ويتفق مع التعريف الجديد للعالم على أنه شركة عملاقة بمفهوم الكبار؟ نعم إنه احتكار الطاقة.

جميعنا نعلم أنه لم يخلق بعد القائد المجنون تماما الذي يستطيع ضغط الزر النووي لابادة الأرض وما عليها، وبالتالي فإن هذا الخطر هامشي، وهو ما يرجح كفة الهدف الاقتصادي أكثر، ولا سيما أن خبراء الطاقة يجمعون على أن النفط مورد ناضب للطاقة، أي غير متجدد.

وما يحدث من استنزافه في عجلة الصناعة وتعقيدات الحياة الحديثة يعجل من هذه الحتمية، وبات البحث عن مورد احتياطي جديد للطاقة هو الشغل الشاغل للعالم، وتحديدا الطاقة الكهربائية شريان العصر وقطاعاته الاقتصادية وتبعاتها.

ولنتذكر أن جنوب إفريقيا إبان الحقبة العنصرية، كانت غنية جدا في إنتاج الكهرباء من المفاعلات النووية، وبات الكثير من الدول المتقدمة يلجأ إلى هذه الطاقة النظيفة والفعالة، بدل المولدات التي تستنزف جزءا مهما من الوقود.إذن، هذه هي تجارة القرن المقبل الخاصة بالطاقة.

لكن أين يكمن الاحتكار؟ بالتأكيد ليس في امتلاك المفاعلات النووية، فهي سلعة ستباع في السوق بعد حين، ومن مصلحة أعضاء النووي إنتاجها وتسويقها على نطاق واسع، لكنها لن تستطبع الدوران من دون وقود، ووقودها هو اليورانيوم المخصب. هنا جوهر العملية الاحتكارية: اليورانيوم المخصب، والأداة الرقابية الملازمة الممثلة في الوكالة الدولية للطاقة النووية.

من غير المسموح لأي كان امتلاك تقنية التخصيب إلا أعضاء النادي، وهو ما يفسر الغضب الأميركي الحديث على باكستان ومن قبلها الهند وحاليا إيران وكوريا الشمالية، فالدول المنتجة لليورانيوم المخصب لا تسمح بتناسل المنافسين، وتحرص على ربط حتى مصابيح غرف النوم بسبابتها!

adonis02@hotmail.com