طبيعة اختيار بنود جدول الاعمال الاساسية في قمة سرت العربية كما بدأ في جلسة الافتتاح أمس تدل على محورية القمة في اعطاء طابع جديد لمفهوم العمل العربي المشترك، والقضايا الهامة التي تحدد مصير المنطقة العربية وتماسك دولها واسلوب تعاملها مع التخوم والجيران، ولعل القضيتين الأخطر هما مصير المفاوضات المباشرة على الجانب الفلسطيني، والوضع في جنوب السودان، حيث بدا ان المجتمعين آثروا إرجاء البحث في مقترح اقامة (رابطة الجوار العربي) إلى قمم لاحقة.
اما موضوع تطوير عمل جامعة الدول العربية وآلياتها، فهو مرتبط ارتباطا عضويا بمقدار الحماس لتفعيل العمل العربي المشترك، وحالما يتخذ القادة العرب قرارا لدفع هذا العمل المشترك قدما فإن اجهزة جامعة الدول العربية ستبدأ تطوير نفسها آليا للتماشي مع الموقف الجديد، ومع مراقبة المشكلات التي واجهت الاتحاد الاوروبي في الاندماج وما استجد من ازمات سياسية واقتصادية أرهقت ميزانيات دول إلى حد الإفلاس. لذلك فإن مبدأ التدرج في توحيد آليات العمل العربي المشترك يبدو منطقيا، فالمطلوب وحدة حقيقية بين العرب خاصة في المجال الاقتصادي، وليس دفعات عاطفية أو مواقف دعائية لا تصل إلى شيء.
واما موضوعا القضية الفلسطينية وقضية الاستفتاء على مصير السودان، فهما الجديران بالتوقف عندهما طويلا وحتمية الانتباه لما يحاك للشعبين الفلسطيني والسوداني في الغرف المظلمة، فالملاحظ ان الضمانات الاميركية الممنوحة لاسرائيل تشكل خطرا كبيرا على أمن المنطقة العربية، فهناك ضمانات عسكرية ممثلة في اسلحة تخل بالتوازن الاستراتيجي او بالاحرى تزيده اختلالا، والضمانات السياسية المتمثلة في مطالب العودة إلى (ضمانات بوش باستمرار الاستيطان بعد توقف شهرين وعدم عودة واشنطن إلى المطالبة بوقفه بعد ذلك) فهذا بند خطير، ومثله في الخطر مطلب اسرائيل بقيام دولة فلسطينية ممزقة الأوصال منزوعة السلاح محظور عليها امتلاك مياهها الاقليمية واجوائها وحدودها.
ومن ثم فإن الشفافية والوضوح في التعامل مع دور الولايات المتحدة المبهم من اجل اعادة استئناف المفاوضات المباشرة يزيد قلق المواطن العربي كثيرا ومما يتوجب ان تعلن قمة سرت بوضوح عدم التزام العرب بأي ضمانات سرية غير حميدة تضر بالمصالح الفلسطينية او العربية خاصة الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني كما نصت عليها المواثيق الدولية وليس الخزعبلات الاسرائيلية او الضمانات الاميركية للجانب الاسرائيلي، كذلك فإن التدخلات الاسرائيلية المستمرة في الشؤون الداخلية اللبنانية والانتهاكات التي لا تتوقف لأراضيه واجوائه ومياهه الاقليمية فهو امر يحتاج ايضا إلى وقفة عربية حازمة.
وكذلك يحتاج إلى ضمانات اميركية للجانب العربي بعدم التدخل إذا اعتدت اسرائيل على أي دولة عربية وانتفض العرب بعدها للدفاع عن انفسهم بشكل جماعي وتحت مظلة جامعة الدول العربية. واما الوضع في جنوب السودان، فهو غير خاف على احد ونأمل ان الموقف العربي قوي وراء عزم الشعب السوداني على البقاء موحدا والاعلان عن ذلك صراحة بلا أي لبس.
إذ لا يخفى ذلك الجهد المحموم من جانب الدول الغربية لفصل جنوب السودان تحت شعار استفتاء غير شفاف خاصة فيما يتعلق بمنطقة أبيي التي لا يملك سكانها العرب حق التصويت في مصيرها وما اذا كانت ستتبع الجنوب أو الشمال في حالة انفصال الجنوب انها بالفعل قضايا ساخنة لكن لابد من معالجتها.
