بينما نحن على الجانب العربي نحتفل ـ إذا احتفلنا ـ بتواضع لا يليق بحرب أكتوبر العظيمة التي تكاد الملايين من أجيالنا الجديدة لا تذكر عنها شيئاً.. كان العدو ينشر محاضر اجتماعات القيادة الإسرائيلية التي رفعت عنها السرية بعد 37 عاماً لتكشف كيف كانت الضربة التي تلقتها إسرائيل قاصمة.
وكيف فقدت القيادة توازنها وكيف انهار وزير الدفاع ديان وهو يصرخ بأن الدولة تنهار، وكيف بدأ الاستنجاد بالولايات المتحدة الأميركية لإنقاذ الوضع وإرسال شحنات الأسلحة التي كان يتم الدفع بها إلى الجبهة مباشرة لتفادي الهزيمة الكاملة.
أين نحن من هذا الآن؟! سؤال يفرض نفسه بعد 37 سنة انتهت بنا إلى هذا الوضع البائس الذي يمر به الوطن العربي، وهذا الخلل في الموازين الذي وضع العرب خارج الحسابات.
وفرض على العالم العربي تدميراً لأماكن في حجم العراق وتقسيماً لدول في حجم السودان، وحروباً للطوائف وتهديدا للأمن، وانتظاراً لحروب تهدد أكثر من دولة عربية، ولسلام يبتعد يوماً بعد يوم لأننا لا نملك القوة التي تفرضه على الآخرين.
أين نحن ـ وسط هذا كله ـ من أكتوبر العظيم الذي نخطئ كثيراً حين نصف ما حدث فيه بأنه معجزة، وحين نستسلم لحملات الأعداء التي لا تتوقف لمحو هذه الحرب من الذاكرة القومية، أو لاعتبارها استثناءً من القاعدة التي تجعل هزيمتنا هي القدر الذي لا فكاك منه حين نواجه إسرائيل ومن يدعمها ويضمن لها التفوق الدائم!!
بينما الحقيقة التي ينبغي أن تكون راسخة في عقولنا وقلوبنا هي أن أكتوبر لم تكن معجزة ولا استثناءً.. إنه الوضع الطبيعي حين تتكامل جهود الأمة (ولو في حدها الأدنى) في مواجهة التحديات، بينما الهزيمة في 67 والتي يقيمون لها مناحة سنوية ويحاولون فرضها على أنها المقياس في أي مواجهة مع العدو..
هذه الهزيمة هي الاستثناء الذي ما كان له أن يقع، والذي لا يمكن أن يتكرر بأي حال وتحت أي ظروف، ومع هذا، ورغم كل الأخطاء، فقد أصدر الشعب العربي كله حكمه عليها على الفور.
حين رفض تنحي عبدالناصر، ولم يكن هذا فعل عاطفة، بل كان إدراكاً بأن ما حدث هو هزيمة لا نستحقها، وأن الاستسلام مرفوض، والانكسار لا مكان له، والثأر هو المطلوب، وهو ممكن ومتاح حين نصحح الأخطاء ونعيد البناء ونحسن التدبير.
من هنا ـ وبإرادة الأمة وحدها ـ تحولت حرب الأيام الستة التي نال فيها العدو نصراً لا يستحقه إلى مجرد جولة في حرب السنوات الست التي انتهت بالثأر الكامل من الهزيمة في أكتوبر 1973 وبموقف كانت فيه دولة العدو على حافة الانهيار كما تكشف الوثائق الإسرائيلية التي رفعت عنها السرية أخيراً.
حرب السنوات الست التي انتهت بالنصر في 73 هي وحدها ـ وليست نكسة 67 ـ التي ينبغي أن تكون المؤشر لنا على ما نستطيع إنجازه، وهو ما فهمه العدو جيداً، ومن هنا كانت الحرب التي لم تتوقف لإجهاض كل نتائج حرب أكتوبر، ولفك التحالف الذي خاضها وانتصر فيها، حيث حاربت جيوش مصر وسوريا، وانضمت إليها قوات من دول عربية شقيقة.
وحيث تم استخدام سلاح البترول العربي بكفاءة، والتحية هنا واجبة لروح الراحل الكبير الشيخ زايد الذي لم يقتنع بالحظر الجزئي الذي كان قد تقرر، وتمسك من جانبه بالحظر الكامل على كل الدول التي تساند العدو الإسرائيلي، وتبنى مقولة إن البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي، وفرض بموقفه هذا التفعيل الكامل لاستخدام سلاح البترول العربي في المعركة.
وقد انتهت حرب أكتوبر، لتبدأ الحرب على أكتوبر والتي لم تتوقف حتى الآن لتأكيد أن هذا هو الاستثناء الذي لن يسمح له بالتكرار، وللأسف انفرط التحالف الذي انتصر في أكتوبر وضاع الطريق ما بين كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة.
وما بين معاهدات للتصالح بين مصر والأردن وبين إسرائيل، ومفاوضات سلام لا يتحقق بين إسرائيل وكل من سوريا والفلسطينيين، والحلم الذي عاد للحياة مع انتصار أكتوبر ببناء كتلة عربية واحدة قادته إلى تحقيق الأمن والاستقرار والتقدم في عالم لا يحترم إلا الأقوياء، ينتهي بعد 37 عاماً إلى ما نحن فيه، ضاع العراق وتم تدميره، والتقسيم يهدد أكثر من دولة عربية، وفلسطين برهن التصفية.
ولبنان في انتظار دائم للحرب الأهلية أو للعدوان الإسرائيلي، والجهود مستمرة لنقل حروب السنة والشيعة من العراق لباقي الوطن العربي، ولزرع الفتنة بين المسلمين والأقباط في مصر.. بينما الأمن القومي مكشوف والقوى الدولية والإقليمية تتنازع على حصصها من النفوذ والمصالح في الأرض العربية.
وبالصدفة، وبعد بضعة أيام من ذكرى حرب أكتوبر، يلتقي القادة العرب في قمة استثنائية تبحث في تطور العمل العربي المشترك. ومع كل الأمنيات الطيبة للقمة والتقدير الكامل لأي جهد لدعم العمل العربي.
فإن القضية ليست أن تظل الجامعة العربية «جامعة» أو تتحول إلى «اتحاد»، ومع أهمية بناء المؤسسات للمستقبل فإن المهمة العاجلة الآن هي مهمة إنقاذ الوضع العربي من التدهور السريع الذي يساق إليه.
ونقطة البدء التي لابد من البناء عليها هي استعادة «تحالف أكتوبر» الذي خاض المعركة الأصعب على مدى ست سنوات انتهت بالنصر الذي يريده الأعداء «استثناء» ونريده «القاعدة» لما يمكن عمله حين تتوحد الإمكانيات العربية (ولو في حدها الأدنى) فتفرض إرادتها على العدو، وتفرض احترامها على العالم.
أكتوبر ليس استثناءً ولا معجزة، إنه النموذج لما يستطيع العرب تحقيقه، حين يملكون الإرادة ويؤمنون بالعلم ويوحدون الجهد.. أعداؤنا يعرفون ذلك جيداً، ويقاومونه بشراسة، فمتى نعرف نحن؟!
كاتب صحافي مصري
galal.aref@hotmail.com