شكلت حرب أكتوبر التي نحتفل هذه الأيام بذكراها السابعة والثلاثين، نقطة تحول في تاريخ الحروب العربية الإسرائيلية، ليس فقط، بسبب النجاح الباهر في التخطيط والإعداد الجيد لها خلال ستة أعوام تلت هزيمة موجعة.
ولكن لكونها أظهرت العدو الذي كان يتبجح بأن جيشه لا يقهر، في صورته الحقيقية، كأي جيش يمكن هزيمته، إذا ما استعد الخصم للمعركة بأسلوب علمي، وتدريب جاد على فنون القتال.
ولعل محاضر الاجتماعات السرية التي عقدها القادة الإسرائيليون، يوم السادس من أكتوبر 1973، وما تلاها من أيام، وكشفت تل أبيب عن جانب منها أخيراً، تعطينا صورة، لتأثير عنصر المفاجأة، التي اعتمدها الجيشان المصري والسوري، في بدء المعركة يوم عيد الغفران اليهودي، على تحقيق النصر.
وطبقاً لمحضر اجتماع عقد داخل مكتب رئيسة الوزراء الإسرائيلية وقتها غولدا مائير، في الساعة الثامنة وخمس دقائق من صباح 6 أكتوبر، أي قبل اندلاع الحرب بست ساعات، فإن الإسرائيليين لم يكن لديهم يقين بقدرة مصر وسوريا على خوض الحرب.
وأظهر المسؤولون العسكريون ممن حضروا الاجتماع صلفاً وغروراً عن قدراتهم في إلحاق الهزيمة بالعرب، في حال اندلاع الحرب التي استبعد بعضهم اندلاعها أصلاً.
وفي حضور غولدا مائير، ووزير الحرب موشي ديان، وقائد الجيش دافيد اليعازر ونائب وزير الحرب تسيبي تسور والوزراء يسرائيل جليلي ويغال آلون، ناقش المجتمعون معلومات استخباراتية عن اعتزام مصر وسوريا خوض الحرب.
وقدم رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية ايلي زعيرا، تقديراته الأمنية المبنية على المعلومات التي تم جمعها والتي أكد من خلالها صعوبة إقدام الرئيس المصري أنور السادات على خوض هذه الحرب، وقال ان السادات يدرك تماماً في حال إقدامه على هذه الخطوة أنه سيخسر الحرب.
غولدا مائير تساءلت: ماذا لو كانت هذه المعلومات صحيحة، وكيف يمكن ان نحطم لهم عنصر المفاجأة؟
قائد الجيش الإسرائيلي، أكد أنه يمكن تدمير سلاح الجو السوري حتى الساعة الثانية عشرة ظهراً.
واقترح استدعاء الاحتياط، لكن ديان الذي قضت الحرب بعد ذلك على مستقبله العسكري والسياسي، تدخل في النقاش مؤكداً انه لا يوجد ما يستوجب استدعاء الاحتياط، واقترح أن يقتصر الأمر على استدعاء وحدات عسكرية محددة.
هذه الثقة بالنفس سرعان ما تحولت صباح يوم 7 أكتوبر إلى العكس تماماً، وتظهر وثائق اجتماع عقد عند الساعة التاسعة وعشر دقائق من ذلك اليوم، استنجاد غولدا مائير بالإدارة الأميركية لتزويد إسرائيل بالسلاح فوراً، وتم اقتراح بعث اسحق رابين إلى أميركا للالتقاء مع وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر لإقناعه بذلك.
أما ديان الذي كان يتفاخر بقدرات جيشه دائماً، فقال: (ليس هذا وقت محاسبة للذات، لم أقدّر جيداً قوة العدو ووزنه القتالي، وبالغت في تقدير قواتنا وقدرتها على الثبات، العرب يقاتلون أفضل مما كانوا عليه سابقاً، يملكون أسلحة كثيرة، يصيبون دباباتنا بأسلحة خاصة، إن الصواريخ تشكل مظلة منيعة لا يستطيع سلاحنا الجوي سحقها، لست أدري إن كانت أي ضربة استباقية قادرة على تغيير الصورة جذرياً).
ومع زيادة الخناق، أبدت غولدا مائير عزمها التوجه إلى واشنطن بشكل سري لمدة 24 ساعة فقط، لعقد لقاء مع الرئيس الأميركي وقتها ريتشارد نيكسون، ووضعه في صورة الوضع الخطير الذي تعيشه إسرائيل، وإقناعه بالموافقة على تزويدها بالسلاح.
لكن أهم ما تظهره محاضر اجتماعات القادة الإسرائيليين، هو حالة الهستيريا والفزع والهلع التي أصابتهم من الضربات العسكرية التي لم يتوقعوها والقدرات العربية التي لم يحسبوا حسابها.. فالاستخفاف بالخصم أولى خطوات الهزيمة، والعمل الجاد والعزيمة مفتاح النصر.