عقد في الأسبوع الماضي المؤتمر السنوي الأول للتعليم تحت عنوان «واقع التعليم والآفاق المستقبلية لتطويره في دولة الإمارات العربية المتحدة» الذي نظمه بكل امتياز مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في العاصمة أبوظبي؛ الكل يدرك أهمية التعليم.

وليس لدينا أدنى شك في أن القيادة السياسية العليا في الدولة تجعل التعليم أولوية وتعمل على توفير كل السبل من أجل النهوض به والدليل على ذلك هو أن الإنفاق على التعليم يحتل نصيب الأسد في الميزانية الاتحادية.

ولكن ما أدهشني في هذا الموضوع ومن خلال المشاركة في هذا المؤتمر هو غياب قيادات التعليم المضطلعة بعملية وضع البرامج والخطط لتطوير التعليم عن الحضور والمشاركة في المؤتمر.

لقد اقتصر حضور هذه القيادات من مسؤولين تربويين ومديري الجامعات على حضور الجلسة الافتتاحية للمؤتمر التي ألقيت فيها كلمات لوزيري التعليم العالي والتربية والتعليم.

وغير ذلك فقد اختفى مثل هؤلاء المسؤولين والتربويين بانتهاء الجلسة الافتتاحية للمؤتمر وكأن كل ما في المؤتمر من قضايا ومواضيع هامة وحساسة لا يمت لهم بصلة لا من قريب أو بعيد، وكأن همهم الأول والأخير هو تأكيد الحضور بالتحية على الوزير المسؤول.

وهذا في حد ذاته معضلة تقف في وجه إصلاح التعليم في الدولة، فمثل هذه المؤتمرات لم تنظم من أجل الدعاية بل نظمت من أجل الاستفادة منها من قبل صناع القرار وواضعي الخطط والبرامج. الرأي الآخر دائماً ضروري من أجل الدفع بالتخطيط الاستراتيجي للأمام وليس الهروب منه.

حال التعليم في الإمارات بحاجة إلى وقفة ومراجعة جدية بعيدة كل البعد عن العاطفة وعن المصالح الشخصية.

فليس من مصلحة التعليم أن نرفض التجديد والاستعانة بالخبرات الأجنبية، وليس من مصلحة التعليم أن نهمش هويتنا العربية والإسلامية.

بل ان مصلحة التعليم هي في الوقوف على حال التعليم وتقييمه تقييماً شاملاً يشترك فيه الجميع وعلى رأسهم أبناء الوطن من أساتذة ومعلمين وإداريين وتربويين والمختصين الذين يدركون المجتمع وطبيعته وعدم اقتصار عملية التقييم على الخبراء الأجانب الذين لا صلة لهم بالواقع حيث ان دراسة الواقع ضرورية لتطويع النظريات الأجنبية لصالح خدمة مجتمع الإمارات.

كما أنه ليس من مصلحة التعليم أن نرفض ما يتم بالفعل من جهد على أرض الواقع في مجال تطوير التعليم في الدولة بل علينا أن نقف معه ونقيمه التقييم الصحيح لعل فيه الخير ويكون هو السبيل نحو تحقيق هدفنا من وراء التعليم.

إن الخطط التنموية التي وضعتها الدولة وإماراتها تدور حول الإنسان وضرورة تطويره ليواكب الأهداف التنموية الجديدة للدولة والتي تحاول أن تخلق قاعدة تنموية تبعدها عن الاعتماد الكلي على النفط والتحول نحو مجالات جديدة لاسيما في مجال الطاقة المتجددة والصناعة والخدمات والسياحة والبنية التحتية.

هذه المجالات تحتاج بالطبع إلى نظام تعليمي يواكب تلك التطلعات التنموية ويضعها نصب عينيه من خلال برامج عملية لتسد احتياج الدولة للفترة المقبلة.

نظامنا التعليمي وللأسف الشديد يركز بشكل أكبر على تقديم شهادات جامعية وعليا في مجال مثل دراسة الأعمال وإدارتها أكثر من تركيزه على العلوم والهندسة، والإقبال الطلابي من قبل مواطني الدولة يتجه نحو هذا التخصص بعيداً عن التخصصات العلمية المطلوبة للتنمية في الدولة.

هذه مشكلة كبيرة ولا بد على القيادات التعليمية أن توليها اهتماما أكبر خاصة إذا ما أردنا أن نكون مواكبين لاحتياجات خطط التنمية في الدولة.ولعل فكرة إنشاء مجلس أعلى للتعليم التي طرحت في المؤتمر تستحق منا النظر إليها بشكل جدي.

فمثل هذا المجلس سيتولى مهمة ضرورية وهي رسم السياسات التعليمية للدولة وفقاً للخطط التنموية واعتماد الخطط الاستراتيجية للوزارات والجهات المعنية بالتعليم في الدولة، هذا الأمر مطلب أساسي من اجل ضمان توافق مخرجات التعليم مع الأهداف التنموية للدولة ومن أجل تحقيق التكامل التعليمي بين المؤسسات التعليمية وضمان استمرار الخطط والبرامج الاستراتيجية.

فالمجلس سيكون بمثابة الجهة العليا التي لا ترتبط بشخص معين كما هو حال الوزارة وبالتالي فإن قدوم وزير وذهاب وزير لن يكون عائقاً أمام تحقيق وإنجاز الخطط الاستراتيجية القائمة للتعليم.

المجلس الأعلى للتعليم يمكن أن يتولى مهمة مراجعة وتقييم حال التعليم في الدولة بشكل دوري من أجل الوقوف على الاستراتيجيات الموضوعة ودراستها أولاً بأول وعدم الانتظار لعشر سنوات أو أكثر من أجل تقييم الاستراتيجيات التي وضعت من أجلها .

حيث ان التخطيط الاستراتيجي السليم يجعل عملية المراجعة السنوية للخطط والبرامج أمراً ضرورياً من أجل نجاحها وضمان السير في الطريق الصحيح لاسيما إذا ما كان الأمر يتعلق بالتعليم الذي يرتبط ببناء أجيال.

حيث انه لا يمكن التفريط أو التهاون في بناء الأجيال لمجرد أن نأتي بعد انتهاء الفترة الزمنية المحددة للخطة الاستراتيجية ونقول إن الخطة لم تحقق أهدافها المرجوة منها بالشكل المطلوب.

إن القيادة السياسية العليا في الدولة تضع نصب عينيها التعليم كأولوية في رؤيتها لمستقبل الدولة وبالتالي فإن المسؤولية تقع على عاتق القيادات التربوية بأن تكون أكثر انخراطاً في المجتمع في مسعاهم لتطوير التعليم وعدم تغافل دور الحقل التربوي الوطني في هذا المجال مع الأخذ بالخبرات والتجارب الأجنبية وتطويعها للواقع الإماراتي.

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com