المتابع للدراما التلفزيونية يجب أن يشعر بأن هناك رابطا حقيقيا بين ما تحمله وتعرضه تلك الدراما وما يحدث في الواقع من قضايا وهموم مجتمعية.

فمما لا شك فيه أن احد أهم أهداف الدراما هو تسليط الضوء على قضايا المجتمع وما فيه من مشكلات تحتاج إلى دراسة وتوعية لأن تسليط الضوء عليها وكشف خباياها والتعرف الى أبرز نتائجها ومعرفة إفرازاتها وتجنبها فيها مصلحة مجتمعية عليا.

فمن قضايا خيانة الأمانة والغش إلى تعدد الزوجات والزواج من أجنبيات وقضايا الجريمة والمخدرات وغيرها يتضح جانب آخر من مجتمعنا غير ذلك الجانب المثالي الذي نظل نتطلع له.

وعندما تركز الدراما التلفزيونية، ومعها بالطبع مؤسسات المجتمع الأخرى المهتمة بنشر الوعي، الضوء على تلك القضايا إنما تهدف إلى التعريف بها والتنبيه من أضرارها لتجنبها.

وبما أن وسائل الإعلام المرئية تحديدا تعد عاملا مؤثرا في التأثير في الرأي العام وتوعيته لذا أصبحت الدراما وسيلة بل أداة مهمة للتأثير في الرأي العام وتوجيه مساره.

وتنتهج وسائل الإعلام المرئي خاصة نهجا خاصا بها في التوعية المجتمعية قائما على عنصر الإبهار والمؤثرات الصوتية الأخرى كما تضع لها استراتيجية معينة تهدف من خلالها إلى التأثير التدريجي في جمهور المشاهدين.

وعلى الرغم من أن كل وسيلة إعلامية قد تختلف عن الأخرى من حيث الغايات والأهداف العليا والمخرجات التي تهدف لتحقيقها، إلا أنها ربما تتفق على هدف واحد في النهاية وهو التبشير بذلك المجتمع الفاضل حتى ولو كان هذا المجتمع لا يظهر إلا في خيال كتاب الدراما والفلاسفة والمفكرين.

ولو تابعنا ذلك الكم الهائل من الدراما الرمضانية، مثلا، لوجدنا أن معظمه يحاول التبشير في النهاية بالقيم الفاضلة وبالطريق المستقيم وبقيم العمل الجاد والوفاء والحب الصافي والاجتهاد في العمل حتى ولو انتهجت شخوصه خلال فترة عرض العمل كافة الوسائل اللاأخلاقية للوصول إلى الهدف.

فكما يبدو فإن التبشير بالمجتمع المثالي الفاضل هدف إنساني وعالمي تتبناه حتى أعتى الأنظمة وأبطش الدول وأقوى الديكتاتوريات بعد أن تكون قد عاثت في الأرض فسادا وأحرقت الأرض والنسل وشردت الملايين في سبيل مجتمع فاضل قد لا يأتي أبدا.

وعلى الرغم من التوقعات الهائلة لدور وسائل الإعلام وعلى الرغم من أنها قد تتناسى أحيانا دورها المنوط بها وتتجه نحو تجارة السوق حتى في منتجها الإعلامي، إلا أن دورها في تنام وكذلك نسبة مشاهديها ومن يتعرض ويتفاعل ويتأثر بذلك المنتج، وبالتالي سواء شئنا أو أبينا فدور وسائل الإعلام دور حيوي وكبير.

الدراما التلفزيونية سواء المحلية أو تلك المستوردة (عربية كانت أو أجنبية)، تقوم على بث جرعة قوية من القيم سواء المناسبة لمجتمعنا أو غير المناسبة. فالإدراك التام بأن هناك من يستهلك هذا المنتج عزز الثقة في نفوس القائمين على انتاج تلك المسلسلات وتعبئتها بالكثير من القيم المراد إيصالها إلى مجتمعنا.

والغريب في الأمر أن هناك نوعا من الاستقبال الحار لكل ما هو جديد وغريب حتى ولو كان غير مناسب. فمثلا، على الرغم من النقد الشديد للمسلسلات التركية، إلا أن مشاهديها وعشاقها في ازدياد. والسبب أن هناك ساعات طوالاً من البث المتواصل الذي يحتاج إلى إنتاج كثير لملئه.

وتعد ساعات البث المتواصلة نعمة في نظر البعض ونقمة في نظر البعض الآخر. فهي توفر المتعة والترفيه المتواصل لمن يريدهما وهي أيضا تساهم أحيانا في انحطاط الذوق العام إن لم تكن تلك البرامج في المستوى المتوقع خاصة فيما يتعلق ببعض البرامج الأجنبية المعبأة سلفا بقيم غير مناسبة على الإطلاق لمجتمعنا.

ولكن النقد الموجه للدراما الأجنبية المستوردة لا يعني أن الدراما العربية بأفضل حال. فبعض الدراما العربية التي تعرض من خلال شاشاتنا لا تنتمي لمجتمعنا على الإطلاق ويجب ألا نبشر بما يأتي فيها.

فهي تكرار لقضايا سمعنا عنها وشاهدناها على مر خمسة عقود من بدء دخول التلفاز إلى مجتمعنا، وهي لا تخرج عن نطاق «الزواج العرفي» و«الشقة» و«الرصيد في البنك».

وتماديا في ذلك التكرار والتنميط أصبحت الدراما المحلية أيضا تتشبه بالدراما العربية مع إضافة لمسة رفاهية خليجية متمثلة في الأثاث الفاخر والفيلا الفخمة والسيارات الفارهة حتى تظهر جليا فكرة مجتمع الرفاهية.

فما عدا بعض الأعمال التي حرصت وتحرص على إظهار الطابع المحلي والتراث لمجتمع الإمارات وتطوره التاريخي وقدرة أهله على العمل والإنتاج والحفاظ على المكتسبات الوطنية إلا أن القدر الأكبر من الدراما المحلية هو تكرار ممل لما تعرضه الدراما العربية.

إن الدراما التلفزيونية، خاصة المحلية منها، يجب أن تقدم قدوة وأنموذجا جيدا للشباب خاصة وأنهم يمثلون الشريحة الكبرى من المشاهدين والمتابعين المواظبين على مشاهدة التلفاز. فالكثير من الشباب تبهرهم تلك النماذج المقدمة عبر الدراما حيث يعدون شخوصها أبطالا حقيقيين مبهرين يودون تقليدهم

. فمن «مهند ونور» إلى غيرهما من أبطال الدراما الخيالية تظل تلك الشخوص تمثل نماذج حياتية يرنو إلى تقليدها الشباب وتمثيل أدوارها في الواقع بكل ما تحمله من القيم والمبادئ الحياتية.

إن الدراما التلفزيونية سيف ذو حدين. ففي إمكانها أن تكون أداة توعوية هامة تتفاعل مع غيرها من مؤسسات المجتمع المهمة وتساهم بالتالي في تشكيل وعي الشباب وتوجيه مسارهم إلى الوجهة الصحيحة.

وفي إمكانها أيضا أن تكون أداة سلبية تمارس سلطة مطلقة في توجيه الرأي العام إلى وجهة غير مرغوب فيها على الإطلاق. لذا فالتدقيق في الأعمال المقدمة هو أفضل وسيلة لتجنيب أنفسنا وشبابنا مغبة الوقوع في المحظور.

fatimaalsaayegh@hotmail.com

جامعة الإمارات