ذاكرة الأمة هي تاريخها، وتاريخها هو مخزون قيمها وسجل نضالها الذي يسطر واقعها وموقعها، ويشكل هويتها وانتمائها، ويصيغ حاضرها في الطريق إلى مستقبلها، من هنا فمن المهم ألا تسقط من ذاكرتنا حقيقة الوقائع ولا تطمس من تاريخنا صحيح الأحداث، خصوصا تلك الوقائع الهامة والمؤثرة وتلك الأحداث الكاشفة والفاصلة.
بالتأكيد هناك من يريد لشعوبنا العربية أن تبدو بلا ذاكرة، أو هكذا نبدو أحيانا بفعل قلب الحقائق أو تزوير الوقائع أو بتحريف أحداث التاريخ البعيد والقريب، فينقلب الاحتلال تحريرا، والمقاومة إرهابا والتدمير تعميرا، ويصبح الحق باطلا والباطل حقا، والانتصار هزيمة والهزيمة نصرا، لتبرير إدعاءاتهم الصهيونية، أو لتمرير مخططاتهم الاستعمارية.
هناك من يريد أن تنسى الأمة العربية والإسلامية انتصاراتها على أعدائها ولا تتذكر سوى هزائمها، يريدوننا أن ننسى مثلا الانتصار العسكري العربي المصري والسوري في حرب رمضان المجيدة التي قهرت العدو الصهيوني الذي لا يقهر وحررت جزءا من الأرض العربية المحتلة باستعادة سيناء.
وأن ننسي الانتصار المصري العربي على جيوش العدوان الثلاثي على مصر عام 56 واستعادة قناة السويس لبناء السد العالي، ولا نتذكر سوى هزيمة العرب وإخفاقهم عام 48 وعام 67.
ويريدوننا مثلا أن ننسي انتصارات المقاومة الوطنية اللبنانية على العدو الصهيوني الذي فر هاربا وتحرير الجنوب عام 2000، وفشل العدو في تحقيق أهدافه وقطع ذراعه الطويلة على يد المقاومة الإسلامية اللبنانية عام 2006، ولا نتذكر سوي غزو لبنان وحصار بيروت عام 82.
ويريدوننا أيضا أن ننسى بروز المقاومة الوطنية الفلسطينية كأنبل الظواهر العربية التي نشأت بعد أن سكتت المدافع في أعقاب هزيمة الجيوش عام1967، وأن ننسى الصمود الفلسطيني الشعبي والمقاوم ضد جيش الاحتلال الصهيوني في الأراضي المحتلة بالعمليات الفدائية والانتفاضات الوطنية، وإفشال عدوانه الإجرامي الأخير على غزة، ولا نتذكر إلا نكبة فلسطين عام 48.
وهناك من يريدنا أن ننسي إفشال المقاومة الوطنية العراقية لأهداف الاحتلال العدواني الأنجلو الأميركي للعراق وإنزال الخسائر البشرية والمادية الهائلة به ومنعه من استكمال عدوانه على دول عربية وإسلامية في المنطقة وإجباره على الإقرار بالانسحاب، ولا يريدونا أن نتذكر سوي قدرة الأطلسي على الإطاحة بأنظمة الحكم الوطنية وتدمير العراق.
لقد نجحت أميركا مثلا في أن تبيع لنا الأوهام وأن تسوّق إعلامها في أوساطنا عبر وسائط عربية ليحوّل الأكاذيب إلى حقائق والحقائق إلى أكاذيب، ولأننا غالبا لا نربط حدثا بآخر، ولا نفرز من هو العدو ومن هو الصديق، أضحى كل ما تروج له آلة الإعلام الأميركية من أكاذيب في غالب الأحيان لدى البعض منا يجرى مجرى الحقائق.
وليس هناك ما هو أشهر ولا أكثر فضيحة لهذا الكذب من شن الحرب العدوانية على العراق بالترويج لحكاية أسلحة الدمار الشامل التي ثبت كذبها دوليا وأميركيا، وهي الأكذوبة التي لا يجب أن تسقط من ذاكرتنا.
ولا من ذاكرة العالم، لأنها الأكذوبة ذاتها التي تحاول السياسة الغربية وآلة الإعلام الأميركية إعادة إنتاجها الآن بعنوان آخر هو السعي لامتلاك السلاح النووي، لشن مزيد من الحروب العدوانية لمصلحة إسرائيل ضد دول عربية وإسلامية.
وإذا كان هناك من يريد أن تنسى الأمة إخفاقات وهزائم أعدائها ولا تتذكر سوي نجاحاتهم الاستعمارية، نكون بحاجة أحيانا لإنعاش الذاكرة وأحيانا لاستعادة تلك الذاكرة، وذلك باستعادة أهم الوقائع وبقراءة أبرز الأحداث سواء مما جرى في الماضي أو مما يجري في الحاضر، خصوصا في ظل سعي آلة الإعلام ومناهج التعليم الغربية لطمس الذاكرة العربية وإعادة صياغة الوقائع والأحداث طبقا لرؤاها لا رؤانا، وسعيا لما يريدونه لنا وليس لما نريده لأنفسنا.
حتى لا نفقد ثقتنا بأنفسنا وحتى لا ننسى أو ينسى غيرنا.
كاتب مصري