ينظر كثير من الناس إلى عطلة نهاية الأسبوع على أنها تحصيل حاصل بعد خمسة أيام من العمل أو الدراسة، ليقضي بعدها يومين يمران عليه مرور الكرام دون أن يضيف إلى حياته شيئا جديدا، فهو لا يكلف نفسه الإعداد الجيد للعطلة الأسبوعية فتمر عليه دون أن يشعر بوجودها، فتضيع ما بين استغراق في النوم أو استقرار في البيت دون أن يضع برنامجا يعود بالنفع عليه وعلى أسرته.
والعطلة الأسبوعية ليست بدعا من الأمر، كما أنها ليست من إفرازات العصر الحديث، فهي متوارثة منذ القدم. فقد عرف المسلمون قديما العطلة الأسبوعية، وبالإضافة إلى يوم الجمعة، الذي هو عيد للمسلمين وفيه يستعدون لأداء صلاة الجمعة، فقد كانت لهم عطلة أخرى كيوم الثلاثاء كما عرف في العصر العباسي، وهذا الأمر إنما بني على فهم واضح لحاجات النفس البشرية، ولما له من مردود كبير على الإنتاج البشري.
ويُذكر أن أول من طالب بالعطلة الأسبوعية في العصر الحديث هم العمال البريطانيون في القرن التاسع عشر، حيث كانوا يحصلون على يوم واحد خلال الأسبوع، وهو يوم الأحد الذي يتفرغون فيه للعبادة كما يفعل اليهود يوم سبتهم، وقد ضاق العمال ذرعا بهذا الأمر .
حيث يذهب جلّ اليوم في العبادة والمناسبات الدينية، فلا يجدون من يومهم ما يذهب عنهم عناء ومشقة الأيام الستة؛ لذلك كان عدد كبير منهم يتغيب يوم الاثنين، مستغنين بذلك عن أجرة هذا اليوم ووجبة الغداء التي كانت تقدم لهم فيه بالمجان، وبما أن غالبيتهم كانوا يحصلون على أجرتهم أسبوعيا، فقد كانوا قادرين على أن يستمتعوا بعطلة إضافية مخصومة الراتب. ومع تزايد التظاهرات والاحتجاجات من قبل العمال للحصول على يوم إضافي، لم يكن أمام أرباب العمل إلا الخضوع لهذه المطالب، وتم تحديد يومي الأحد والاثنين عطلة رسمية في الدوائر الحكومية في بريطانيا، وهكذا الحال بالنسبة لدول أخرى. أما نحن في العالم الإسلامي، فإن العطلة الأسبوعية في الدوائر الحكومية هي الجمعة والسبت كما هو الحال في بلادنا، أو الخميس والجمعة كما هو الحال في بعض البلاد الأخرى، ومنها من جعل عطلته الرسمية يومي الأحد والاثنين، واكتفى القطاع الخاص بيوم واحد في الأسبوع وفي الغالب هو يوم الجمعة. وعلى الرغم من أن هذا النظام لم يسر على جميع القطاعات، لا سيما العسكرية والجهات الصحية كالمستشفيات، إلا أن أولئك لم يحرموا من حق الإجازة خلال الأسبوع، فهم يحصلون على إجازتهم وفق ما تقتضيه حاجة العمل.
والسؤال الذي يطرح نفسه؛ كم منا خطط للعطلة الأسبوعية واستغلها أحسن استغلال بما يعود بالنفع عليه وعلى أسرته؟
ينبغي أن يُنظر إلى العطلة الأسبوعية على أنها حاجة ماسة لكل فرد، بعد أيام من بذل الجهد واستفراغ النشاط، لا أن ينظر إليها على أنها ترف فتذهب في ما لا فائدة منه، كمن يقضيها مستغرقا في النوم لساعات طويلة فيختلط ليله بنهاره وتتغير ساعته البيولوجية في هذين اليومين، حتى إذا بدأ يومه الأول من أسبوع العمل أو الدراسة رأيته نصف مستيقظ، فساعته البيولوجية ما زالت على حالها منذ تركها آخر مرة، وهذا حال طائفة من الناس غاب عنها ما للعطلة الأسبوعية من فوائد جمّة.
إن رب الأسرة الواعي والمدرك لأهمية هذه العطلة، يبدأ بالتخطيط لهذين اليومين أو حتى اليوم الواحد، فيعد برنامجا متوافقا مع حاجياته وميزانيته ووقته، فيستثمر العطلة استثمارا يعود عليه وعلى أسرته بالنفع ليقطف ثمارها خلال أيام العمل.
والخيارات في ذلك كثيرة، كأن يذهب إلى المتنزهات التي وفرتها الدولة في جميع إماراتها، أو أن يقضي جانبا من العطلة في زيارة الأهل والأقارب، أو غيرها من الخيارات التي يمكن أن تطرح في مثل هذه العطلات. إن عطلة نهاية الأسبوع لهي أفضل بيئة يجتمع فيها رب الأسرة بأفراد عائلته ويخلق جوا من الألفة، وهي فرصة للتواصل الاجتماعي وتلبية الاستحقاقات الأسرية، هذا إذا ما تمت بطريقة واعية ومدروسة.
وقد أكد أهل الاختصاص ما للعطلة الأسبوعية من دور كبير في قتل الروتين ودفع الملل عن النفس، وما لها من آثار إيجابية على نفسية الفرد، كما أظهرت أبحاثهم ودراساتهم أن الاستغراق في النوم في عطلة الأسبوع للمراهقين تحديدا، يضعف من تحصيلهم الدراسي.
وذلك لما يحصل للمراهقين من تغيرات فزيولوجية في هذه المرحلة العمرية. وبسبب استغراقهم في النوم، فإنه تكثر على ألسنتهم عبارة «أنا مشغول جدا»، لأن ما تبقى لديهم من وقت لا يمد لهم يد العون للوفاء بالواجبات الأخرى.
كما أكدت الدراسات الأوروبية والعربية على أهمية أن يستمتع الموظف بإجازة أسبوعية لمدة يوم أو يومين، إذ يؤدي ذلك إلى تنشيط الموظف وتحفيزه على العطاء لصالح العمل.
والأمر ذاته ينطبق على طلابنا في المدارس والجامعات، فخمسة أيام من الدراسة والتكليفات حري أن يعقبها يومان يشعر فيهما الطالب أن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، فيجدد نشاطه ويستقبل أسبوعه بالنشاط والهمة العالية، على أن يحرص على أن يؤدي واجباته الدراسية خلال العطلة بما لا يفسد عليه عطلته ولا يجعله مقصرا في أداء واجباته.
إننا إذا ما نظرنا إلى العطلة الأسبوعية نظرة إيجابية، فإننا سنكون قادرين على أن نتكيف وفق هذه العطلة ونضمن أن يكون أسبوعنا مليئا بالحيوية والنشاط، فينعكس ذلك إيجابا على نشاطنا أثناء بقية أيام الأسبوع.
جامعة الإمارات
