يعكس الحادث الإرهابي الفاشل الذي استهدف إحدى السيارات التابعة للسفارة البريطانية والتي كانت تقل أربعة بريطانيين حالة اليأس والإحباط التي تسطير على عناصر التطرف والإرهاب التابعة لتنظيم القاعدة، والتي صارت تبحث عن أي فرقعة تظهر من خلالها في وسائل الإعلام لتذكر بنفسها، وأنه ما يزال فيها عرق ينبض، بعد الضربات المؤلمة والقاصمة التي تلقتها من الأجهزة الأمنية في مدينتي لودر بأبين والحوطة بشبوة، والتي قصمت ظهر تلك العناصر وتنظيمها الإرهابي، وأصابت تكويناته في مقتل.
وأمام هذه الحالة من الإحباط واليأس سعت هذه العناصر الإجرامية إلى استهداف أربعة من ضيوف اليمن في محاولة منها للتشويش على الهزيمة المنكرة التي أحاقت بها، والخيبة المريرة التي تعيشها، وعوامل الانهيار التي تحيط بها، والإحساس الذي ينتابها بعد شعورها بأنها بالفعل قد دخلت مرحلة الاحتضار، وأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة وأن نهايتها قد دنت، وأنها افتقدت كلياً عنصر المباغتة والقدرة على الحركة، وأي نوع من أنواع المغامرة.
وهذه الحقيقة تبدو جلية اليوم وواضحة لكل متابع لتفاصيل المعركة التي يخوضها اليمن ضد الإرهاب، والتي تنبئ تماماً أن اليمن قد نجح نجاحاً باهراً في إفشال كل خطط عناصر الإرهاب التي كانت تعتمد على أساليب الخداع الماكرة، كما نجح في الوقت ذاته في إغلاق ما كان يعتقد أنها المنافذ التي يتسرب منها الإرهاب إلى النسيج الاجتماعي عبر أهم مقومات الهوية الجمعية وهو الدين والعقيدة الإسلامية، التي حاولت عناصر الإرهاب اعتساف مضامينها السمحة التي تنبذ التطرف والإرهاب والتعصب والغلو، وإصباغها بفكرها المتطرف والمنحرف وتضليل عقول الشباب بمثل ذلك الفكر المبتذل المسيء لجوهر الدين ونقائه وعقيدته، التي لا تجيز سفك الدماء المحرمة وقتل النفس البريئة.
ولعل ذلك هو ما أسهم بشكل إيجابي في تحصين المجتمع اليمني من تلك التعبئة الخاطئة، التي ظلت عناصر الإرهاب تستخدمها لإغواء غير الراشدين من الشباب ودفعهم إلى محرقة الهلاك والموت، مستخدمة شبكة الانترنت والمدونات لنشر ثقافتها المنغلقة والبائسة.
ومن الإنصاف أن نقول أن نجاح اليمن في هذا الجانب قد جنبها الكثير من الويلات والكوارث التي تتعرض لها بعض البلدان نتيجة استفحال الفكر المتطرف داخل مجتمعاتها، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل أن هذه المسألة باتت اليوم تأخذ الطابع المؤسسي من خلال الخطوة الجريئة التي اتخذتها قيادتنا السياسية بزعامة فخامة الأخ الرئيس علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية، الذي وجه بتشكيل لجنة من العلماء تكون بمثابة المرجعية في تقديم المشورة والنصح، ومن ذلك ما يتصل بتبصير الناس بمخاطر الإرهاب وعلاقة الدين بالحياة، خاصة في ظل الظروف الراهنة التي اختلطت فيها الكثير من المفاهيم، وصار فيها الدين عرضة للتأويلات المبتسرة والطروحات المسيئة، الأمر الذي استفادت منه عناصر التطرف والإرهاب في الترويج لفكرها المنحرف.
ولذلك فإن إقدام اليمن على تشكيل لجنة من العلماء الملمين بنصوص الدين، إنما يجسد الحرص على تكريس قوة المنطق التي يتكئ عليها ديننا الإسلامي الحنيف في تعاطيه مع قضايا الحياة كدين جاء ليرتقي بالنفس البشرية، ويحميها من الوقوع في مثالب الانحطاط والغلو والتطرف ويسمو بها إلى درجات علياء من الرقي والوسطية والاعتدال والاتزان في القول والعمل.
وفي هذا يصح القول أن معركتنا ضد الإرهاب هي معركة تستمد مشروعيتها من كونها تستهدف فكراً ضالاً تجرد أصحابه من كل القيم الدينية السامية وكل المعاني الإنسانية والأخلاقية النبيلة، ليعتنقوا ديناً آخر غير دين الإسلام الذي يبدأ بالسلام وينتهي بالسلام، بل أن ما جاءوا به لا تقره كل الديانات السماوية والوضعية، فلا الإسلام ولا المسيحية ولا اليهودية ولا البوذية ولا الكنفشيوسية ولا الزرادشتية ولا غيرها من الديانات والمعتقدات البشرية تجيز قتل النفس البريئة كما يفعل أولئك الإرهابيون والمتطرفون الذين برهنوا بأفعالهم الإجرامية أنهم أشد خطراً وضرراً على الإسلام من كل أعدائه.
وفي ظل كل هذه الوقائع فإن الواجب الديني والوطني يفرض علينا جميعاً الاصطفاف في هذه المعركة المفتوحة مع الإرهاب، وأن نكون جميعاً صفاً واحداً، سياسيين وأحزاباً وشرائح اجتماعية وثقافية، سواء في السلطة أو المعارضة، في مواجهة هذه الآفة الخبيثة، واجتثاثها من جذورها، وتخليص وطننا من شرورها، إذْ أن مثل هذا الاصطفاف صار ضرورة حتمية في هذه المواجهة المشتركة للعدو الذي يتربص بنا جميعاً.
وحسبنا في ذلك أننا ندافع عن وطننا وديننا وعقيدتنا وقيمنا وحقنا في الحياة والعيش الآمن والمستقر من هوس وجنون عناصر باعت نفسها للشيطان، وانحرفت عن جادة الصواب، وفاقت بجهالتها وضلالها جلاوزة الجهل في القرون الوسطى المظلمة.
