تعد السياسة الخارجية للسلطنة مفخرة لكل مواطن عماني أينما حل وارتحل، ومثالًا يحتذى، ومرجع ذلك إلى تلك المرتكزات التي أرساها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ منذ الوهلة الأولى لبزوغ فجر النهضة المباركة في الثالث والعشرين من يوليو عام 1970م، وما فتئ جلالته ـ أيده الله ـ يشدد ويؤكد على هذه المرتكزات.
ففي الكلمة السامية التي تفضل عاهل البلاد المفدى ـ أعزه الله ـ بمناسبة الانعقاد السنوي لمجلس عُمان الاثنين الماضي، أعاد التأكيد على هذه المرتكزات المتمثلة في "تعاون عُمان مع سائر الدول والشعوب على أساس من الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة وعدم التدخل في شؤون الغير، وكذلك عدم القبول بتدخل ذلك الغير في شؤوننا"، حيث كانت ـ ولا تزال ـ هذه الأسس والمرتكزات هي القلب النابض بالصفاء والروح الوثابة المتسمة بقبول الآخر، وكما هو معروف عن صفاء القلب والروح أن صاحبهما يدفعانه إلى حب الخير للآخرين ولا يحمل ضغائن ولا أحقادًا ضدهم، منهجه الحوار ولا غيره.
والاختلاف لا يفسد للود قضية، ومعاملة الناس بالصدق وكريم الأخلاق، والذود عن ضعيفهم، ونصرة مظلومهم والأخذ بيد ظالمهم. هذه المبادئ التي صاحبت تلك المرتكزات والأسس للسياسة العمانية مثلت ـ ولا تزال تمثل ـ جسورًا متينة للوصول إلى الأشقاء والأصدقاء والجيران وبناء العلاقات، انعكست آثارها على ذلك الاحترام الكبير والتقدير العظيم اللذين يبديهما الأصدقاء والأشقاء والجيران تجاه عُمان وقيادتها وشعبها. ومثل هذه المشاعر الأخوية والتقدير والاحترام لا يمكن أن يتأتى من قبل سائر دول العالم وهيئاته ومنظماته ومؤسساته الرسمية وغير الرسمية.
إلا إذا كان هناك ما يدعو إلى إبداء هذه المشاعر، ما يعني أن الثبات وعدم التبدل والتغير في النهج وفي لغة الخطاب، كل ذلك كان على ذات الوتيرة، أي أن الثبات على المبدأ والمصداقية هما العاملان الأساسيان اللذان أديا إلى هذا الاهتمام بالسلطنة والنظر إليها نظرة الاحترام والتقدير.
وما قاله معالي يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده أمس بالمعهد الدبلوماسي بوزارة الخارجية وردوده على أسئلة الصحفيين الذين شاركوا في دورة الانعقاد السنوي لمجلس عُمان، إلا تأكيد على هذه المرتكزات باعتبارها ثوابت لا يمكن الحيد عنها، حيث أكد معاليه أن "الحوار في الأساس هو مع الذين نختلف معهم، قبل أن يكون مع الذين نتفق معهم، ولذا فهو مهم للتعايش، والتغلب على الأمور العالقة وليس تضخيمها".
وفي ذلك عين الحكمة، لأن تضخيم الأمور من شأنه أن يعطي ردود فعل عكسية ويدخل أصحابها في متاهات هم في غنى عنها، ولذلك لا بد من إخضاع الأمور لمنطق العقل وصوت الحق، والنظر إليها من منظار احترام رأي الآخر ومراعاة المصالح المشتركة، لا سيما وأن المسائل في الشأن السياسي تحتاج إلى تغليب العقل على العاطفة التي قد تشطح بصاحبها، فلا يقدر الأمور حق تقديرها.
إن مشاركة السلطنة شقيقاتها وصديقاتها وجاراتها همومها والوقوف إلى جانبها ودعمها وتبادل المصالح المشتركة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وحرص جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ على أن يرى الأشقاء وقد تغلبوا على خلافاتهم وتقديم واجب العون والدعم لهم، لا سيما الشعب الفلسطيني الذي يعاني ويلات الاحتلال الإسرائيلي الجاثم على صدره.
سيظل كل ذلك ركنًا ركينًا وأصلًا أصيلًا في النهج الذي ارتضاه واختاره قائد مسيرة نهضة عُمان، مع التأكيد على أن جامعة الدول العربية فيما يخص خلافات الأشقاء، تعد هي البيت العربي الأول الذي يلتقي فيه الجميع ويطرحون رؤاهم وقضاياهم وجهًا لوجه، ومن له وجهة نظر عليه أن يقولها بكل شفافية وصراحة ومن منطلق المصداقية وبغية الوصول إلى الحل، وهذا هو شأن السلطنة.
