ظاهرة الحياد السويسرية ظاهرة عجيبة يحسن التوقف عندها، فلعها تكون درساً للأمم الناشئة التي تنشد العيش بسلام، والتي تروم تحقيق الرخاء والازدهار دون أن تكون لها أطماع توسعية.

ووجه الغرابة في التجربة التاريخية السويسرية، أن هذه البلاد تقع في وسط أوروبا، تحيط بها أمم قوية لها امتدادات في الشعب المكون للاتحاد السويسري. فتحدها من الشمال ألمانيا، ومن الغرب فرنسا، ومن الجنوب إيطاليا، عدا عن النمسا التي كانت في سابق الأيام إمبراطورية مرهوبة الجانب.

فخمسة وستون في المئة من الشعب السويسري ينحدرون من أصل ألماني، وحوالي العشرة في المئة من أصل فرنسي، بينما يمثل المنحدرون من أصل إيطالي حوالي العشرة في المئة. وتتوزع لغاتهم (التي هي لغات رسمية للدولة السويسرية بالإضافة إلى اللغة الرومانية) تبعاً لذلك.

بمعنى آخر، أن الاختلاف القومي واللغوي (والمحافظة عليه) لم يمزق «شمل» هذه الأمة الصغيرة (كما في تجربة يوغسلافيا التي هي على مرمى حجر منها)، بل زادت هذا الشعب تماسكاً وإصراراً على المحافظة على أرضه وعلى وحدته الوطنية.

وأكثر من ذلك أن السويسريين أيضاً منقسمون مذهبياً، بين أغلبية بسيطة من الكاثوليك (حوالي 42% تقريباً) وبين أقلية كبيرة من البروتستانت (حوالي 36% تقريباً)، فضلاً عن أصحاب ديانات أخرى وأبرزها الإسلام (حوالي 5% تقريباً).

ورغم أن سويسرا عانت من الصراع المذهبي في عهد الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، حيث كان أحد أعمدة تلك الحركة، جون كالفن، قد اتخذ جنيف منطلقاً لدعوته، ورغم أن ذلك الصراع انتقل إليها متأخراً وظل معها مدة قرنين تقريباً، إلا أنها استطاعت أن تحافظ على وحدتها كجمهورية اتحادية، يمارس أهلها «الديمقراطية المباشرة» في ساحات «كانتوناتهم» الصغيرة.

ثم تعزز التسامح الديني لديهم بتأثرهم بعصر التنوير وأفكار الثورة الفرنسية، وشعاراتها البراقة حول الحرية والمساواة والإخاء. ثم بإصلاحات «نابليون» القانونية والإدارية حينما احتلها في العام 1803.

وظني أن نزعة سويسرا المتأصلة في ثقافتها نحو الحياد، مرجعها إلى العامل الجغرافي وفطنة السويسريين منذ نشأة كيانهم السياسي قبل سبعة قرون (العام 1290)، إلى الاستفادة القصوى من موقعهم الجبلي الوعر في وسط أوروبا، والمتحكم في طرقها وممراتها ومسالكها بين جهاتها الأربع.

وبالتالي، أصبحوا معبراً لتجارة أوروبا، يستفيدون من الجميع ولا يريدون الدخول في نزاعات الدول الأوروبية الدموية التي لم تنقطع إلا بعد النصف الثاني من القرن العشرين.

ومن الطريف ذكره في هذا المقام أن سويسرا لم تشارك في عضوية «عصبة الأمم» التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى، رغم أن مفاوضات إنشائها تمت على أراضيها، ورغم أنها اتخذت من جنيف مقراً لها. وهي كدولة محايدة، قاومت دخول الأمم المتحدة إلى العام 2002!!

ونزعة الحياد هذه لم تجلب لهم الخير العميم فقط، بل جنبتهم ويلات الحروب ومآسيها، إذ منذ أربعة قرون، لم تدخل سويسرا في نزاع مسلح مع جيرانها، وهي في الوقت الذي كانت تعيش فيه بأمن وسلام وطمأنينة، كان جيرانها يتلظون بنيران الحربين العالميتين اللتين شهدهما القرن العشرون.

وما زالت مسألة حياد سويسرا في تينك الحربين، وعلى وجه الخصوص الحرب العالمية الثانية، موضع جدل بين المؤرخين. لكن الثابت أن الشعب السويسري أعلن التعبئة العامة في تلك الفترة، وقرر قادته أن بلدهم لن يكون لقمة سائغة لهتلر لو قرر أن يحتلها، متخذين من وعورة بلادهم ميزة، فضلاً عن شدة بأس رجالهم.

والحق أن مفارقة عجيبة تكمن في تاريخ سويسرا وحياة شعبها، بل بالأحرى «شعوبها»، فرغم سياسة الحياد على مستوى الدولة، لم يكن ذلك ينطبق على شعبها، وهو شعب جبلي ذو بنية قوية، امتهن الحرب وكان ينتشر بين جيوش الدول المجاورة له ليشكل جزءاً منها، ولما كانت جيوش تلك الدول في حروب دائمة، كان «السويسريون» تبعاً لذلك يقاتلون بعضهم خارج بلادهم، في حين كانوا يعيشون في وئام داخلها.

وكان آخر عهدهم بمهنة الحرب تلك، حينما غزا نابليون موسكو في العام 1812، وكان بين جيشه عشرة آلاف سويسري لم يرجع منهم سالماً إلا تسعمائة، فقرروا ترك تلك المهنة، وظلت تراثاً يقتصر حالياً على الحرس البابوي الذي يتكون من جنود يتبعون الجنسية السويسرية.

لكن هذا التراث «العنيف» ـ إن جاز التعبير ـ استفاد منه السويسريون في حاضرهم، حيث يطبق عندهم التجنيد الإجباري للذكور، وهو اختياري للفتيات، ينخرطون فيه بالتدريب العسكري لمدة 18 أسبوعاً، ثم يستدعى الواحد منهم سنوياً لمدة ثلاثة أسابيع على مدار عشرة أعوام.

ولعل سويسرا هي الدولة الوحيدة التي يحتفظ فيها الجندي بسلاحه في البيت، استعداداً للدفاع عن وطنه في أي لحظة. ولذا فليس مستغرباً أن يكون لديها احتياطي تحت السلاح، مكون من أكثر من ثلاثة ملايين رجل وامرأة، وهو ثاني أكبر احتياطي في أوروبا.دروس كثيرة يمكن تعلمها من التجربة التاريخية لسويسرا، والعبرة لمن يعتبر.

كاتب وأكاديمي كويتي

alyusefi@hotmail.com