الصورة النمطية التي ينقلها لي أبنائي عن مدرس اللغة العربية، دائما ما تفرض نفسها في أية مدرسة يلتحقون بها. فهو صارم لا يقدم جديدا في مجال التدريس.
يلتصق بالكتاب المدرسي ولا يحيد عنه قيد أنملة. كما أنه صاحب صوت عالٍ، وكثيرا ما يقوم بتوجيه اللوم والذم للتلاميذ، وبشكل خاص إذا ما أخطأ أحدهم في قواعد الإعراب أو صيغ الجمع أو المفرد.
وتزداد الصورة قتامة حينما يقارن أبنائي بين التقنيات الجذابة التي يستخدمها المدرسون الآخرون، وبشكل خاص الأجانب منهم، من نقاش وحوار وتنويع، ناهيك عن المزج بين الجد واللعب.
والواقع أن هذه الصورة النمطية تجمع بين الجنسين؛ وكأن هناك نمطا واحدا يجمع ما بينهما تجاه تدريس اللغة العربية. ويحدث هذا في أوقات عصيبة تواجهها اللغة العربية الآن، فلا المدارس تهتم بها ولا التلاميذ.
بل إن الأمر المخيف هنا أن أولياء الأمور لم يعودوا يهتمون باللغة العربية مقارنة بالمواد الأخرى، خصوصا إذا ما ارتبط أبناؤهم بنظم تدريس غير عربية، مثل النظام البريطاني أو الأميركي.
ففي الكثير من المدارس الخاصة، أصبح الطلاب العرب يدرسون اللغة العربية التي تدرس لغير الناطقين بها، رغبة منهم في النجاح، بغض النظر عن المحتوى الذي يتسم بالضعف التام والسطحية الشديدة.
ورغم الحديث المتواصل عن تطوير تدريس اللغة العربية، والدورات العديدة التي يحصل عليها المدرسون، فإنه من الواضح وجود قصور شديد في الانفتاح على الطرق الحديثة، في التدريس عموما وفي اللغة العربية خصوصا.
فعلى سبيل المثال لا الحصر أنه في الوقت الذي ينفتح فيه كافة المدرسين الآخرين على الإنترنت، ويطلبون من تلاميذهم الاستعانة بها في إنهاء واجباتهم اليومية، فإن مدرسي اللغة العربية لا يفكرون في ذلك على الإطلاق، وكأن اللغة العربية لغة أموات ليست لها علاقة بأي من وسائل الاتصال الحديثة.
ولا يعدم المشهد الحالي في تدريس اللغة العربية، بعض المدرسين الغيورين عليها وعلى ما آلت إليه أحوالها. فقد قابلت حديثا أحد مدرسي اللغة العربية الذي قدم لي نموذجا جديدا وفريدا، أتمنى أن يحتذيه الآخرون ممن يقع على عاتقهم عبء تطوير اللغة العربية والحفاظ عليها.
ورغم أن الرجل يدّرس اللغة العربية وسط حشد ضخم من المدرسين الأجانب، ذوي الخبرة في التدريس والإلمام بالتقنيات الحديثة والجوانب التربوية المختلفة، فإن ذلك لم يضعه في موقع الإحساس بالدونية الذي يلاحظه المرء في الكثيرين الذين يجدون أنفسهم وسط محيط يتحدث بالإنجليزية.
ورغم أن الرجل يستخدم تقنيات بسيطة جدا، فإنها تحقق فوائد جمة مع التلاميذ، إلى الحد الذي جعل ابني يؤكد لي أن حصة اللغة العربية لم تعد تمثل له عبئا مثلما كان عليه الحال في ما سبق.
يبدأ الرجل من واقع حال التلاميذ الذي يتسم بالضعف والضحالة، فهو لا يتعالى عليهم ولا يلومهم، بقدر ما يحاول أن يستنهض منهم ما يمكن استنهاضه. تبدأ المسألة ببساطة شديدة، من خلال سؤال التلاميذ عما يضايقهم في اللغة العربية، وما هي نقاط الضعف التي يواجهونها.
ولا تقف المسألة فقط عند هذا المستوى، لكن بالقليل من الحيل المتمثلة في الضحك واللهو، الذي لا يضيع وقت التدريس بقدر ما يجعله أكثر تشويقا، أمكن ربط التلاميذ بالمدرس وبما يحاول إيصاله لهم. فالحصة تجاوزت نمط الاتصال التقليدي من المدرس إلى التلاميذ، إلى نمط ذي اتجاهين قائم على الحوار والنقاش.
ومما أضفى على الفصل طابعا جدليا مفيدا، الاستعانة بطرق غير تقليدية في التدريس؛ مثل تلخيص خطبة الجمعة التي يحضرها التلاميذ والتعليق عليها، وقراءة مقتطفات من الصحف العربية، إضافة للتواصل مع الروايات العربية.
وربما تبدو هذه الوسائل بسيطة، لكن مردودها كان بالغا على وعي التلاميذ وإدراكهم؛ فمن ناحية حضر التلاميذ صلاة الجمعة، ومن ناحية أخرى استثمروا ملكة التركيز في الإنصات للخطيب وتلخيص خطبته، ثم بعد ذلك التعليق عليها والوقوف منها موقفا نقديا.
وبالنسبة للصحف فإنها كانت مناسبة جديدة للتعرف على عناوين الصحف العربية، واختيار بعض المقاطع منها التي أمدت التلاميذ بقدر ما من المعرفة.
كما أن الروايات لها فائدة كبيرة، فالكثير من التلاميذ يتصورونها مرتبطة فقط باللغة الإنجليزية، وأن العربية لغة ليست فيها أية روايات؛ من هنا فإن ذلك المنحى يقدم للتلاميذ إمكانية التعرف على وجود روايات عربية، ثم التعرف على أسماء الروائيين، إضافة إلى التعرف على موضوعات تلك الروايات والثقافة المرتبطة بها.
هناك أساليب عديدة يمكن للمدرسين الاستعانة بها وتطبيقها في التدريس، لكن الأهم من كل ذلك هو الثقة بالنفس، والتحلي بالصبر في مواجهة ضعف التلاميذ، والقدرة على توفير الوسائل اللازمة لجذبهم للغة العربية.
كاتب مصري
salehabdelazim@hotmail.com
