كلما بزغت شمس يوم جديد على دبي، وبرزت أشعتها الذهبية الساطعة على منجزات هذه الإمارة الحالمة، كلما شهدت على ما قام به المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد بن مكتوم آل مكتوم، من مكتسبات أصبحت من أهم المعالم التي تتحدث عن نفسها وتقول للعالم؛ لقد كان راشد هنا ورحل وبقيت ذكراه تتردد مع كل نسمة هواء تمر على دبي.
في عشرينيات القرن الماضي ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى، شهد الخليج العربي تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية، مع مرحلة انهيار مهنة الغوص على اللؤلؤ وتجارته، وظهور الامتيازات والخطوط الجوية والبحث عن النفط في دول الخليج، وعدم استقرار التجارة العالمية.
في تلك الأثناء كان قد ولد الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في بيت والده في منطقة الشندغة التي كانت تضم أغلب عوائل دبي على ضفاف الخور، وتربى على يد والده الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم ووالدته الشيخة حصة بنت المر، فاستمد همة الرجال وحنكة الشيوخ، واكتسب بعد النظر والرؤية المستقبلية من والده الشيخ سعيد ثم من مجلسه العامر، وتعلم الصبر وتحمل المسؤولية مع الحفاظ على التواضع من والدته، إلى أن تولى ولاية العهد عام 1948، وكان قد استسقى العديد من أفكار والده وتراكمت لديه أفكار حديثة حاول تطبيقها في جو من المحافظه على العادات والتقاليد، وتقبل ظهور مستجدات دخلت إلى الإمارة لتتمشى مع سياسة الانفتاح في ظل القيم الإسلامية.
وأبرز ما حاول الشيخ راشد السعي لوجوده، هو افتتاح مطار دبي الذي عارضه البعض عندما استشارهم والده الشيخ سعيد بن مكتوم، بسبب العادات والتقاليد والخوف من وجود رجال أغراب في المناطق السكنية في غياب أغلب رجال المنطقة لفترات طويلة في رحلات الغوص وبقاء النساء وحدهن في المنازل. أما الشيخ راشد ومعه مجموعة من تجار دبي.
فكان رأيهم القبول وأن الوجود الأجنبي سوف ينعش الحركة التجارية وينشط حركة السفن في الميناء ويسهم في قيام خدمات بريدية، وازدياد الايرادات المالية التي ستدفعها بريطانيا عن إيجار المطار. وبقيت المشاورات حتى عام 1937 عندما باشر البريطانيون بمد خط جوي إلى أستراليا، تحلق فيه الطائرات المائية ويقضي الركاب ليلة في دبي في طريقهم إلى أستراليا حتى أوائل عام 1938، حيث ازداد عدد الطائرات إلى أربع طائرات كل أسبوع مقابل 440 روبية هندية شهرياً، تدفعها شركة امبريال ايرويز نظير استخدام دبي بمثابة قاعدة، ودفع إيجار استخدام أية مبان أخرى.
وبعد عقدين من الزمان ومع ازدياد حركة الطائرات والركاب، وبعد تولي الشيخ راشد الحكم في دبي، وفي مساء أحد أيام عام 1958 استقبل حاكم دبي ضيوفاً بريطانيين، وبعد انتهاء زياتهم لدبي ونظراً لعدم وجود مقاعد شاغرة لهم على طائرة طيران الخليج، أعلن في ذلك اليوم عن رغبته في إنشاء مطار دبي، وتم اختيار منطقة القصيص لقربها من دبي، وبعد اختبار تربتها تبين انها صالحة لإقامة المدرج، وخلال شهور قليلة بدأ العمل في المشروع تحت الإشراف المباشر للشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وتم جلب عمال من الهند وباكستان، وغيرهم لإنجاز المدرج والسياج المحيط بالمبنى.
وكان الشيخ راشد يشرف على العمال ويتابعهم ويتحدث معهم، ويحرص على توصيل الطعام إلى موقع عملهم، كما كان يشرف على صحتهم وسلامتهم وأخذهم إلى المستشفى بنفسه إذا تطلب الأمر ذلك، حتى تم افتتاح المطار في الثلاثين من سبتمبر عام 1960، وكان في تلك الفترة عبارة عن مبنى صغير وبرج مراقبة، مع أول سوقين حرتين في منطقة الساحل.. ووصلت الرحلات إلى 12 رحلة عام 1961.
والآن يعيش مطار دبي أفراحه باليوبيل الذهبي، بفضل رؤية الشيخ راشد ومبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في جعل مطار دبي يحتل المراكز العالمية الأولى، وقد توسع المطار ليصبح من أسرع المطارات نمواً في العالم، وليحقق رؤية والده في بناء مطار آخر في جبل علي، ليواكب التطور السريع في حركة السفر والشحن، ولتصبح مدينة «ورلد سنترال آل مكتوم» خير شاهد على الرؤيه المستقبلية للمغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد، والتي استكملها صاحب الاستراتيجيات والمبادرات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.
يقول البريطاني آلن الذي جاء إلى دبي عام 1958 كممثل لشركة «مالكرو»، إنه استيقظ في أحد أيام منتصف السبعينيات على رنين الهاتف، ليخبره أن الشيخ راشد يريد أن يراه على قمة تلة صغيرة قرب قرية جبل علي.. ويضيف: انزعجت من هذا الطلب، ولكني بعدها أسرعت فوجدت الشيخ راشد ومعه بعض المسؤولين، وأشار بيده ناحية الساحل قائلاً «هناك أريد إنشاء ميناء»، وطلب مني معرفة التكلفة التقديريه للمشروع، والعمل بأسرع ما يمكن لأن فكرته تقتضي بناء ميناء صناعي.
وبعد انتهاء المشروع عام 1981، أصبح جبل علي أكبر ميناء في الشرق الأوسط، مسجلاً إنجازاً جديداً يضاف إلى سجل إنجازات الشيخ راشد. وقد قال عنه «إن إقامة مثل هذا الميناء تأتي تمشياً مع خططنا لجعل هذا البلد مركزاً له شأنه في المجتمع العالمي، ولكي يتحول بلدنا من بلد يعتمد على التجارة إلى مركز يساهم في الصناعات العالمية المتطورة، ويسهل السبل أمام هذه الصناعات لتمضي قدماً في خدمة الانسانية ومجالات الحياة المختلفة».
واليوم وبعد مرور ثلاثين عاماً على انتهاء مشروع بناء هذا الميناء، أصبح سلطة تجارية حرة ليست بصماتها في دبي فقط، وإنما استحوذت على تشغيل العديد من الموانئ عبر كافة قارات العالم، ولتعطي درساً لا بد أن يدرسه الطلبة وأبناء الجيل الحالي، في كيفية وضع الخطط الاستراتيجية بعيدة المدى وتحقيقها. حقاً أن الشيخ راشد كان من نعم الله سبحانه وتعالى على دولتنا، ومهما عددنا إنجازاته فلن نوفيه حقه، لأن المتابع لسيرته يجد اكتشافات جديدة تعجز الكلمات والحروف عن إدراكها.
قام بها الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله، وبعد مرور عشرين عاماً على وفاته، ما زالت دبي تتمتع وتشهد وستبقى تذكر الحكمة السديدة والنظرة الثاقبة التي أعطت لدبي سمعة عالمية فاقت الحدود، استكملها ابناؤه من بعده، وها نحن اليوم نعيش في ظل قيادة المدبر الحكيم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حفظه الله ورعاه.