تحتل المستعمرات اليهودية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، مواقع استراتيجية هامة وحيوية وحساسة. تركز النواحي الحيوية على قرب المستعمرات من مصادر المياه الغزيرة والأراضي الزراعية، وتأمين طرق الوصول السهل إلى المستعمرات المقامة. وهنالك العامل الأمني الذي تتكفل به طبيعة الموقع الجغرافي، إضافة إلى طبيعة المباني المقامة، والتسليح الذي تتميز به تلك المواقع.

تكمن حساسية نقاط الاستيطان في التركيز على الأهمية الأثرية والتاريخية والروحية الدينية، في هذه وتلك، فالإسرائيليون مشهود لهم بالقدرة المميزة على التزوير والتلفيق. تظهر المواقع المقصودة بالتزوير (الترميم) للرائي السطحي، كما لو كانت حقيقة تنطق بعبرانية ويهودية المكان منذ زمن بعيد.

يهدد الاستيطان اليهودي مجمل أبعاد ومستقبل واتجاهات الحياة الفلسطينية، الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والمعنوية، والعملية والعلمية. الاستيطان اليهودي يحول حياة السكان هناك إلى كابوس صراع وجود، يشمل الجغرافيا والتاريخ والحضارة والثقافة والهوية، وحتى الكينونة الأساسية. في كل ذلك هنالك تفوّق هائل في كافة أوجه الصراع والتحدي، بسبب الدعم الحكومي الداخلي واليهودي الخارجي اللامحدود للاستيطان وأنشطته. ما من مستعمرة يهودية تُقام إلا وتحتوي على مصنع واحد استراتيجي على الأقل. مصنع قائم على استيراد المواد الخام الأولية بأثمان متدنية، ويمكنه تزويد سوق استهلاكية ضخمة بالمواد والأدوات والأجهزة المصنَّعة. في ذلك يمكن المرور بالنظر على قائمة طويلة من الصناعات الفردية الذاتية والبيتية، والحيوية العامة والإكسسوارات.

منذ منتصف القرن التاسع عشر، بدأت حركة الاستيطان الصهيونية في فلسطين بشكل خفي وبطيء، ثمة حازم وصارم ومهدِّد للآخرين في الجوار. في الضفة الغربية والقدس المحتلة، بدأت إسرائيل بالاستيطان في اليوم التالي الذي أعقب عدوان يونيو 1967. بعد تطوّرها بشكل لافت للنظر، غالباً ما نظر السياسيون الفلسطينيون والعرب إلى ذلك بسذاجة، في محاولة للتخفيف من آثار وتبعات أخبار الاستيطان على الأنفس. الحجة السطحية الساذجة لديهم، أن عدد المستوطنين لم يزل أقل بكثير من عدد المواطنين الفلسطينيين.

جل أعمال البناء في المستعمرات تقوم به العمالة الفلسطينية الخام، والخبيرة نوعاً ما. تُجبِر الظروف المعيشية الصعبة الأيدي العاملة الفلسطينية على النزول بأنفسها إلى درجة القيام بتلك الأعمال، لتوفير قوت اليوم ومتطلبات الحياة المعيشية الأخرى. ذلك ما يجعل بعض الناشطين الفلسطينيين والإسرائيليين، يقترحون في النهاية عملية استبدال سكانية بين فلسطينيي 1948 والمستعمرين في الضفة الغربية والقدس الشرقية، هذا بالرغم من أن تلك الفكرة لم تكن تُطرح إلا لأهداف تكتيكية، في لعبة الصراع بين السياسيين العرب واليهود في فلسطين.

الاستعانة بوسيط أميركي أو أوروبي لوقف الاستيطان، أو حتى تجميده مؤقتاً، يضيف عبثية إلى المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية. الأوروبي الأبيض أقام المستعمرات على أراضي الغير في الأميركتين الشمالية والجنوبية. البروتستانت من الشمال الأوروبي (الأميركيون والكنديون لاحقاً) استوطنوا قارة أميركا الشمالية، هذا في حين استعمر الإسبان والبرتغاليون الجزء الأوسط والجنوبي من القارة الأميركية.

في عقلية الأميركي خصوصاً، والأوروبي بدرجة أقل، هنالك تماثل أو تشابه عام بين ما حصل مع عرب فلسطين على أيدي اليهود، وما حصل مع من يُعرفون ب«الهنود الحمر» على أيدي الأوروبيين البيض. هذا مع ملاحظة أن تعبير «الهنود الحمر» تسمية خاطئة لسكان الأميركتين الأصليين. تعبير بُني على فكرة أو فرضية خاطئة من «مكتشِف» الأميركتين ومرافقيه عام 1492، وسوف تظل هكذا حتى إشعار آخر.

الاستيطان اليهودي في عموم فلسطين، إن لم يجد ما يوقفه سيستمر ويستفحل، ويهدد المكان داخلياً والجوار القريب والمنطقة عموماً. على الجوار هنالك أطماع إسرائيلية لابتزاز كافة الدول العربية من المحيط إلى الخليج، مع التركيز على الدول الواقعة ما بين نهري الفرات والنيل. تحتوي هذه على مصادر مائية، مطلوبة بإلحاح شديد لاستمرار حياة الدولة الإسرائيلية.

الأسواق المحلية العربية تُغرَق بمنتجات المستعمرات الإسرائيلية، تحت أسماء وعناوين للتمويه وإخفاء الحقائق حول المُنتَج وجودته ومكان إنتاجه.

على العربي الآن أن يتتبع أماكن إنتاج مكونات طعامه ولباسه ومستحضرات تجميله... إلخ. سوف يجد أنها في جلها قادمة من مصانع المستعمرات الإسرائيلية. هذه أغفلتها وتغفلها المقاطعة العربية للبضائع الإسرائيلية؛ خاصة الجزء منها القادم من المستعمرات اليهودية التي أقيمت رغم أنوف الجميع عبر العالم.

جامعة الإمارات

Nasrin@uaeu.au.ae