يعاني رجل الشارع في العراق حشداً من المشكلات، له أول، وليس له - في ما يبدو - آخر، وتتنافس على صدارة هذا الحشد لقمة العيش، التي تستعصي على التحصيل، والأمن الغائب، أو الهارب، أو الضائع، سمِّه ما شئت، والحكومة التي تأبى التشكل، دون أن يعرف أحد لماذا على وجه الدقة؟!، والبنية التحتية التي يبدو أن تحقق مشروعاتها سيظل يدور في فلك الخاطر والاحتمال، لا أقل ولا أكثر.

وبينما يستمر تكالب المشكلات هذا على بشر لم يعرفوا الراحة ولا الاستقرار، منذ عقود مضت، فإن الأفق يبدو مليئاً بالنُذر، وليس بالوعود، بأيام أفضل.

وكل من تابع تناول كبرى الصحف الأميركية للشأن العراقي، يعرف أن هناك قدراً مروعاً من خلط الأوراق، حيال كل ما يتعلق بالعراق، سواء من قِبل السياسيين الأميركيين أو جنرالاتهم أو كتّابهم ومعلقيهم. آخر ما ظهر في هذا الصدد لا يمكن التعقيب عليه إلا بالقول السائر: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت».

نحن جميعاً نعرف أنه بعد انسحاب الوحدات القتالية الأميركية من العراق، بقيت قوة احتلال تضم خمسين ألف جندي، تطلق عليهم أغرب الأسماء والألقاب، فهم أحياناً خبراء، وأحياناً أخرى مدربون، وأحياناً ثالثاً عناصر إمداد.

وإلى جوارهم هناك جيش موازٍ من المرتزقة، الذين يفرضون حضورهم عبر سلاسل لا تنتهي من العقود بين شركات أمنية مشبوهة وبين «بنتاغون».

الجديد هو أن هناك تياراً في الصحافة الأميركية يخرج علينا اليوم بالمطالبة بأن تسهم الحكومة العراقية، بأموال الشعب العراقي، في الإنفاق على قوات الاحتلال الأميركية، التي لا يعرف أحد بالضبط متى ستخرج من العراق؟، أو إن كانت ستغادره أصلاً. هذا التيار يطلق صيحاته تلك بالتوازي مع مناقشة الكونغرس الأميركي لاعتماد ملياري دولار للإنفاق على العمليات العسكرية الأميركية في العراق.

ويبرِّر أصحاب هذا التيار طلبهم العجيب بالقول: إن الولايات المتحدة قد أنفقت في العراق 667 مليار دولار منذ عام 2003. وهم يقولون إن مطلبهم يلقى دعماً من كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية، وإن المسؤولين في وزارتي الخزانة والدفاع الأميركيتين يتحمسون لهذا المطلب أيضاً.

هكذا فإن الأمور وصلت إلى أن يطلب أنصار هذا التيار من العراق ـ الضحية ـ أن يسهم في دفع تكاليف الاستمرار في ذبحه، بعد احتلاله.

إنهم يطالبون القتيل بأن يدفع لقاتله جانباً من تكاليف عملية القتل.

وهؤلاء يجدون لهذا الخلط الوحشي في الأوراق مبررات تدفع إلى الذهول حقاً، فهم يستندون إلى تقرير يقول إنه صدر عن محللين حكوميين أميركيين، لا يوضحون هويتهم أبداً، مفاده أن العراق كان لديه في نهاية عام 2009 فائض في الموازنة قدره 1,52 مليار دولار، بينما كانت الميزانية الأميركية تعاني في الفترة نفسها من عجز قدره نحو 42 ,1 تريليون دولار، ويتوجون ذلك بالتساؤل: لماذا يتعين على الولايات المتحدة الاستمرار في الإنفاق على بلد غني بالنفط كالعراق؟

لسنا ندري مدى دقة الرقم المتعلق بالفائض العراقي في التقرير المزعوم، ولكن، حتى بفرض صحته، فإن السؤال الذي يقفز إلى الذهن على الفور هو: هل ينفق هذا الفائض على تمويل مواصلة الاحتلال الأميركي للعراق، أم العودة بالعراق إلى الوقوف على قدميه وضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة لأبنائه؟

هل طلب أبناء الشعب العراقي من الأميركيين احتلال بلادهم في المقام الأول، ليدفعوا الآن نفقات الاحتلال؟ أم أن الأميركيين هم الآن المطالبون أولاً بمغادرة العراق، اليوم قبل الغد، ودفع التعويضات عن الدمار الوحشي الذي أحدثوه في العراق، ونهر الدماء العراقية الذي أطلقوه ولا يزالون يطلقونه حتى اليوم؟

وقبل أن يحاول هذا التيار تمرير لعبة خلط الأوراق الوحشية هذه، فإن عليه أن يقول لنا أولاً: متى سيحاكم أمام المحاكم الدولية أولئك القتلة الذين حولوا شوارع المدن العراقية إلى أنهار دم؟ متى ستتم محاسبتهم عن أموال الشعب العراقي التي نهبوها، وتركوا أبناءه ضحايا للمنافي وللمعاناة وللعذاب اليومي؟

kamel@albayan.ae