من الواضح أن أفغانستان ومحيطها القريب مقبل على تحول قد يصعب معرفة كنهه ومآلاته نظرا لكم من التعقيدات التي تكتنف الواقع السياسي والميداني، لكن جل الأخبار الواردة من هناك تشي بان ثمة مرحلة جديدة يعد لها وهي مرحلة لا تقل خطورة عن ما سبقها، وهنا يجب التنبيه إلى ما يحلو للبعض أن يسميه انتصارا على قوات الناتو بقيادة الولايات المتحدة من منطلق امتلاك حركة طالبان في بعض الأحيان لزمام المبادرة في مهاجمة هذه القوات، بل والوصول إلى مشارف العاصمة كابول في عمليات قتالية أحدثت إرباكا للتحالف المحتل وللحكومة الموالية له.
والحقيقة أن الأمر في جبال الأفغان أعقد من أن يخضع لحسابات المهزوم والمنتصر، فهذه البلاد التي تتمطى في تضاريسها الجبلية الوعرة، وفي سهولها المترعة حد الثمالة بأشجار الخشخاش، أضف إلى ذلك تشابكا من القبائل المتعصبة حد التطرف، مع تاريخ قريب وبعيد نسج الكثير من الطبائع لدى الديموغرافيا البشرية، ولذا فان هذا التشكيل لا يمكن إخضاعه لمعادلات الربح والخسارة على أساس قياس نتائج الفترة الحالية، والتي وان بدت في وجهها المعلن حصادا مرا لأحد الأطراف وحصادا مثمرا للآخر فهذه الصورة تظل ناقصة وعصية على الفهم والاستدراك.
هناك ثمة حاجة إلى تعمق أكثر في قراءة التفاصيل حيث يكمن المضمون الحقيقي وتسكن الأسرار والخفي من النوايا التي تحكمها في نهاية الأمر المصالح المادية وما يمكن الحصول عليه من غنائم سياسية واقتصادية ومن نفوذ يحقق توسعا وسيطرة على الأرض مع سعي منطقي لتقليل حدة الخسائر.
إذن جردت الحسابات الأولية لمحصلة الحدث وتداعياته تنبيء بما لا يدع مجالا للشك إلى أن الحراك في تلكم المنطقة لا يمكن المراهنة في تحليله على فرضيات الفعل وردات الفعل، ومعه كذلك تتداخل عدد من التفاعلات الإقليمية والدولية التي يجب أخذها في الاعتبار قبل وضع النتائج، على أساس من الاعتراف المبدئي بان القوى المتواجدة على الساحة أو بالقرب منها تتقاطع أجندتها في شطر من الأهداف المتوخاة.
كما أنها قد تتضارب في جانب آخر وفقا للاستراتيجيات المرصودة والتكتيكات المتاحة والتي تشهد تغيرا وفقا للفعل العسكري والسياسي والقرب أو البعد من تحقيق النتائج المتوخاة، وعلى هذه الفرضية يجب رسم ملامح المستقبل على مستوى الساحة الأفغانية.
