لا أعلم إن كان حظ المدرسين هو السيئ، أم أن حظوظ وزراء التربية والتعليم هي السعيدة، لأن الظروف تهيئ لهم من المواقف ما يجعل الأضواء تسلط عليهم، ليصبحوا نجوما تتداول قصصهم الصحف والمجلات، وتطيّر أخبارهم الوكالات، ويغدون حديث المواقع الإلكترونية والمنتديات، على حساب المدرسين الذين تتضاءل حظوظهم، رغم المكانة الرفيعة التي تضعهم فيها أدبيات كل الأمم والشعوب.

أقول هذا على خلفية الخبر الذي قرأناه الأسبوع الماضي عن وزير التربية والتعليم البحريني، الذي قام بزيارة مفاجئة لإحدى المدارس. ولأن الزيارة كانت غير مبرمجة، كما جرت العادة، فقد حدثت مفاجأة غير سارة لأحد المدرسين حين دخل متأخرا إلى قاعة الصف، ليجد الوزير يأخذ مكانه، ويقوم بمراجعة الدرس السابق مع الطلبة، في انتظار وصول المدرس الذي لم يصل في الوقت المحدد لبداية الحصة.

ولم يكن حظ مدرس التربية الرياضية أحسن من حظ زميله، عندما زار الوزير فصلا آخر في المدرسة فوجد المدرس يؤخر الطلبة عن الاستفادة من الحصة الدراسية لممارسة الرياضة ويبقيهم داخل الغرفة، بدلا من الاستفادة المباشرة من الساحة المخصصة لممارسة الرياضة. وكان لإدارة إحدى المدارس الإعدادية التي زارها الوزير في ذلك اليوم، نصيب من سوء الحظ عندما وجدها الوزير لا تتخذ الإجراءات الكفيلة بسرعة دخول الطلبة إلى المدرسة. وهذه ليست المرة الأولى التي يقوم فيها وزير التربية البحريني بمفاجأة الطلبة والمدرسين، إذ كانت له مواقف سابقة من هذا النوع.

زيارة الوزير البحريني هذه ذكرتنا بالزيارة المفاجئة التي قام بها وزير التربية والتعليم المصري قبل شهور، لإحدى المدارس في «حلوان» برفقة ثلاثة من معاونيه فقط، حيث لم يترك في المدرسة زاوية دون أن يمر عليها، وطلب فتح أجهزة الكمبيوتر بعد أن رأى الغبار يكسوها ليكتشف أنها لا تعمل، وقام بمراجعة دفاتر الطلاب وأعادها إليهم، وراجع بدقة الجدول الدراسي، ودخل في نقاش حاد مع معلم احتياط حل محل معلم التربية البدنية الذي تأخر على الطلاب، ودخل دورات مياه الطلاب التي كانت في منتهى السوء، ثم وقف في ساحة المدرسة ينتظر المدير الذي لم يكن موجودا أثناء هذا كله، حتى وصل وقد أذهلته المفاجأة حتى لم يعد يعرف ما يقول أو كيف يتصرف.

وبعد أن رأى كل هذا الخلل على الطبيعة، اتصل الوزير بأحد معاونيه طالبا منه نقل جميع معلمي المدرسة إلى منطقة أبعد عقابا لهم، واستبدالهم بطاقم تعليمي جديد، أما ناظر المدرسة فأمر بنقله إلى المنيا في الصعيد. ثم كانت زيارة الوزير الثانية للمدرسة بعد الزيارة الأولى بشهور قليلة، ولكن بمفرده هذه المرة، ليقرر صرف مكافأة لناظر المدرسة الجديد، بسبب التحسن الملحوظ الذي شاهده داخل المدرسة والجهود الملموسة في ضبط العملية التعليمة، كما أمر بمعاقبة بعض المقصرين الذين لم يستوعبوا الدرس الأول. الطريف أن المدرسة التي شن عليها وزير التربية والتعليم المصري هذه الزيارات المفاجئة، اسمها «مدرسة الخلفاء الراشدين»!

هذه الزيارات المفاجئة للمدارس من قبل وزراء التربية والتعليم، تجعلنا نتساءل عما إذا كانوا وحدهم من بين الوزراء والمسؤولين الذين يضبطون منبهات ساعاتهم على مواعيد بدء الدوام المدرسي، ويغادرون منازلهم قبل قرع أجراس المدارس ليكونوا هناك مع طابور الصباح وأداء تحية العلم. يدفعنا إلى هذا التساؤل، أننا لم نسمع مثلا أن وزير شؤون إسلامية فاجأ إمام مسجد تأخر عن موعد إقامة الصلاة فأَمّ المصلين بدلا عنه، أو أن وزير مواصلات فاجأ سائق حافلة تأخر عن موعد تحرك حافلته، فتولى بنفسه قيادة الحافلة محافظةً على مواعيد الركاب واحتراما لوقتهم.

الشاهد في حوادث زيارات وزراء التربية والتعليم التي ذكرناها، والتي هي نادرة، أنها زيارات مفاجئة فعلا، ولو لم تكن كذلك لوجدنا المدارس التي زارها هؤلاء الوزراء قد استعدت جيدا لاستقبالهم، فأعيد طلاء جدرانها، وتم ترتيب فصولها، وفرشت ممراتها بالسجاد الأحمر، ووزعت أصص الورود والأشجار في أرجائها، وعلقت وسائل الإيضاح في كل ناحية منها، واكتمل طاقم الإدارة والمعلمين، ولم يتغيب طالب من طلبتها في ذلك اليوم المرتقب، وأُعِدّت أناشيد ولوحات خاصة للترحيب بالوزير وزيارته الميمونة، وسبقت كاميرات التلفزيون والصحف وصول الوزير لتسجيل الزيارة المفاجئة بالصوت والصورة للذكرى والتاريخ.

يحدث هذا كثيرا، بل إنه يحدث غالبا، في أماكن كثيرة نعرفها وتعرفونها جيدا، الأمر الذي يفرِّغ الزيارة من هدفها ومضمونها، بل ومسماها، فأي مفاجئة هذه التي تعلم وتُعِدّ لها إدارة المدرسة، أو أي مرفق من مرافق الخدمات، قبل أسبوع أو أكثر من موعد حدوثها؟ وأي إدارة غبية هذه التي ستترك ثغرة يتسلل منها النقد والاتهام بالتقصير إليها وهي تعلم أن مسؤولا كبيرا سيقوم بزيارتها، حتى لو كان ذلك قبل يوم واحد أو ساعة من موعد الزيارة؟ والأهم من هذا كله، لماذا نفترض أن المسؤول الكبير هو وحده الحريص على المصلحة العامة، وهو الرقيب وحده على انضباط العمل، وهو القادر وحده على تغيير الصورة النمطية المعروفة عن الموظف الذي لا يهمه سوى استلام راتبه آخر الشهر؟ ألسنا جميعا شركاء في المسؤولية، بغض النظر عن درجاتنا الوظيفية؟

أسئلة تطرح نفسها كلما قرأنا أو سمعنا عن زيارة مفاجئة قام بها مسؤول لمرفق من المرافق فوجد كل شيء على ما يرام، ووجدنا نحن أنفسنا نتساءل بعدها: هل كانت زيارة مفاجئة حقا؟