من الظواهر الثقافية اللافتة، أن الرواية أصبحت اليوم الفن الأول بين الفنون، بل الحقل الأول بين حقول الثقافة، سواء من حيث كمّ ما ينشر من الأعمال، أو من حيث مساحة انتشارها.ثمة فيض من الكتابات الروائية تصدر كل عام. أضف إلى ذلك أن الرواية الناجحة قد تصل مبيعاتها ملايين النسخ، كما توزع روايات الياباني هيراكي موراكامي. ولا شكّ أن الرواية في العالم العربي، أخذت تتصدّر الواجهة في مجال الثقافة والنشر.
وقد أدرك ذلك العاملون في بقية الحقول من علماء وفلاسفة وشعراء وكتّاب، مما حمل بعضهم على ترك ميادينهم الأصلية للانصراف إلى تأليف الروايات. وكان الروائي نجيب محفوظ، المتخصص أصلاً بالفلسفة، قد أدرك في زمنه، ومنذ بداية عهده بالكتابة، أن الرواية ستكون لغة العصر.
وهذا ما فعله، قبل عقود، العالم الإيطالي في مجال السيمياء، أمبرتو أيكو. لقد فاجأ الأوساط الأدبية بروايته «اسم الوردة»، التي عرفت انتشاراً واسعاً على الصعيد العالمي. أضف إلى ذلك الثروة الطائلة التي جناها صاحبها من ورائها.
وهكذا أصبحت الرواية الناجحة تقرأ على نطاق واسع، وتترجم إلى مختلف اللغات الحية، أو تحول إلى فيلم سينمائي، لكي تصبح وسيلة لتحقيق النجومية والثروة. فما السر الذي جعلها تستقطب اهتمام الكتّاب والقرّاء على السواء؟
العوامل عديدة؛ هناك ما يعود، أولاً، إلى طبيعة الرواية بالذات، أي إلى ما تنطوي عليه لغة القصّ والسرد من التشويق والإمتاع، مما يجعلها أسهل وأيسر تناولاً، قياساً، مثلاً، على لغة الفلسفة التي تنحو إلى التنظير والتجريد، وتتطلب قدراً من الإلمام بمصطلحاتها وتقنياتها.
حتى الشعر، الذي كان عند العرب ديوانهم وفنهم الأول، قد تراجع كثيراً، بعد أن تحولت الأعمال الشعرية إلى ما يشبه المعادلات الذهنية أو التهويمات الذاتية التي لا يفهمها إلا أصحابها. من هنا قلّ قرّاؤه. صحيح أن الشعراء كُثُر وأعدادهم لا تُحصى، ولكن، باستثناء نفر منهم، نجد أن قرّاء الشعر باتوا أقل من الشعراء. ولذا فإن الكثيرين منهم يستمدون شهرتهم لا من شعرهم، بل من كونهم كتّاباً أو نقّاداً أو صحافيين أو سوى ذلك.
ثمة عامل آخر يُسهم في انتشار الروايات وتفوقها، كأداة للتعبير عن التجارب والمواقف أو المشاعر والمواجد، قياساً على بقية الحقول. فالرواية، لكونها تروي ما يحدث، فإنها تهتم بما هو فردي، أو شخصي، أو حميم. هذا ما يجعلها تقتحم العالم المعاش، بدوائره وأقاليمه، بدقائقه وتفاصيله، بمفارقاته والتباساته، لكي تفتح المجال للتعبير عن الحياة اليومية، بدواخلها وخفاياها ومحظوراتها وأسرارها الدفينة أو المطمورة.. بهذا المعنى تقدم الرواية، لمؤلفها، إمكاناً للتنوير والتحرير.
ولعل هذا ما يفسر إقبال المرأة على تأليف الرواية التي تتيح لصاحبتها أن تصنع نفسها وتمارس حريتها، بإنشاء خطابها الذي تكشف فيه ما يمنع كشفه أو تقول ما كان يمتنع على القول. ولا يعني ذلك تحويل الرواية إلى عمل نضالي، فالكاتبة التي تبتكر وتجدد، في مجال السرد، يكون شاغلها الأول ليس الدفاع عن حقوق المرأة وحريتها، بل التعبير عن تجاربها، بتشكيل سرد يمتاز بالجدة والأصالة، بأسلوبه وشخوصه أو بفضائه الدلالي وأفقه الوجودي.
وهكذا، لكل ميدان خصوصيته التي يعمل فيها، بإتقان أدواته وتطوير وسائله، سواء تعلق الأمر بالقصيدة أو الفلسفة أو الرواية. ولكن أياً كان مجال التأليف، فالعمل الناجح يصدر عن فكر حي، بقدر ما له صلة بالحقيقة والواقع.
وهذا شأن الرواية التي تنطوي على جدة وابتكار. فهي ليست فقط أداة لمتعة فنية، جمالية، وإنما تشكّل مصدر غنى معرفياً أو إلهاماً فكرياً. والشاهد على ذلك أن مؤسس التحليل النفسي، فرويد، قد اعترف بأن قراءته لأعمال الروائي الروسي دستويفسكي، قد أسهمت في بلورة نظرياته حول اللاوعي والنفس. وهكذا فالروايات الخارقة تفتح نوافذ على العالم، لكي تتيح لمن يقرأها أن يعرف ما لم يكن يعرفه من أمر نفسه أو مجتمعه أو واقعه، بما تنطوي عليه من حدوس كاشفة أو نظرات ثاقبة حول معاني الأشياء أو حول مصائر المجتمعات.
ومع ذلك فالرواية لا تعبر عن الأفكار الحية والخصبة، على شكل أطروحات فلسفية أو قضايا نظرية أو حقائق علمية أو مواقف أيديولوجية وسياسية، وإنما هي تجسّد الأفكار، بلغتها وأدواتها، بقدر ما تحيلها إلى سرد فني أو تشكيل جمالي، عبر اختراع شخوص حية، نابضة بهمومها ومشاغلها وقلقها وأوجاعها ومسراتها... فالروائي يصنع حيوات نتماهى معها، بحيث نشعر وكأن الحياة التي تُروى، عبر الكلمات، هي حياتنا نحن، أي ما كناه أو ما نكونه أو سنكونه.
بالطبع لا شيء يروى من دون تخيّل، كما هو شأن كل عمل مبتكر. فالخيال يدخل في تركيب المفاهيم الفلسفية، كما يدخل في اختراع الشخوص الروائية.ولكن الخيال الخلاق لا ينقل الواقع أو يعكسه بصورة فقيرة، أو مختزلة أو مشوهة.. وإنما يخرجه على النحو الأغنى والأقوى والأجمل، وربما الأصدق: وهذا هو معنى القول ان الرواية تصبح واقعية أكثر من الواقع نفسه. وهذا ما عبّر عنه المشاهد الذي كان يستمع إلى الممثلة السورية سلافة معمار تتحدث عن تجربتها من على الشاشة. كان غير مصدّق أنها هي نفسها التي مثلت الأدوار، وكأنها بدت له فيما جسّدته من النماذج والشخوص أكثر غنى وصدقاً وجمالاً.
ولا عجب، لأنه بالخيال الخلاّق والخارق يُعاد تشكيل الواقع وفقاً لعملية مركبة ومزدوجة، وجهها الأول يتكوّن من عمل السبر والغور، على سبيل الكشف والتعرية لما يصنع منه الواقع، الظاهر والمرئي، من الهوامات والأحلام أو الألغاز والأسرار... والوجه الثاني هو إعادة تركيب الواقع، عبر إيجاد الحيوات التي تحيا حياتها وتعيش مأزقها أو توجد فرصها وتقود مصائرها.
غير أنه، أياً كانت الفروقات بين الرواية والشعر والفلسفة، فإن ذلك لا يعني إقامة حواجز فاصلة وحاسمة بين مجال وآخر. ما يحصل اليوم في عصر البعد المتعدد، هو تصدّع الحدود بين الحقول، وتقاطع فروع المعرفة وميادين الفن.
هناك نصوص وكتابات تؤلف على نحو مبتكر، بين متعة السرد ودقة التحليل، بين جمال الأسلوب وقوة المفهوم، بين مغامرات الفكر وغنى المعرفة... فالحياة هي نظر وفهم، أو ذوق وأسلوب، أو عبور ومجاز.. ولكنها رواية بالدرجة الأولى، تماماً كالكون، وكما تشهد الأعمال والمآثر، من ملحمة غلغامش إلى الأوديسة، ومن قصص الأنبياء إلى قصص العشاق، ومن ألف ليلة وليلة إلى مغامرات دون كيشوت، ومن أسفار الخلق والتكوين إلى سيناريوهات الانفجار الكبير.
