عشر سنوات انقضت على الانتفاضة الثانية، تشابكت خلالها خيوط العمل السياسي مع الانقسام الفلسطيني، بينما الواقع لا يزال كما هو فلا دعاة السلام حققوا شيئاً، ولا القابضون على جمر التمسك بالحق العادل تمكنوا من فك الحصار الخانق على غزة، التي يدفع أهلها ثمن الإخفاقات المتوالية، والألاعيب السياسية الأخطبوطية، ذات الألف ذراع.

رقد شارون الذي فجر بزيارته الاستفزازية إلى المسجد الأقصى الانتفاضة الثانية قبل عشر سنوات، في غيبوبة شبه أبدية، لكن متطرفاً آخر اعتلى سدة المشهد الإسرائيلي، لتستمر مسيرة الحصار وسفك الدماء، والتلاعب بأوراق السلام المزيفة، والتمادي في استهلاك الوقت، تارة بتجميد الاستيطان وأخرى بتمديده، قبل العودة من جديد إلى المربع الأول، ببناء المزيد من الوحدات الاستيطانية.

اليوم يكثف المبعوث الأميركي جورج ميتشل، من سعيه المحموم لإنقاذ ورقة التوت التي تخفي عورات الفشل في التوصل إلى تسوية، تعطي الإسرائيليين الأرض والأمن معاً، فيما على الفلسطينيين القبول بالقليل، وإلا باتوا غير راغبين في السلام الذي يراه المتطرف افيغدور ليبرمان غير واقعي في السنوات المقبلة.

ماذا يمكن لميتشل ان يفعله، أكثر من تجميل وجه الإدارة الأميركية، التي اختارت الانحياز لأمن إسرائيل، وتعبيد الطريق أمام رغباتها؟ يقول الرئيس الفلسطيني محمود عباس:

لا سلام مع الاستيطان، وانه لن يستأنف المفاوضات المباشرة قبل وقف الاستيطان أو تمديد قرار تجميده، فتضغط واشنطن، للتفاوض تحت سقف الاستيطان، فأية مصداقية لطرف لا يخفي ولاءه لنتانياهو وجماعته من غلاة المتطرفين أمثال ليبرمان؟

في 2002 كان الإسرائيليون يحاصرون الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في المقاطعة، تحت دعوى انه لم يعد شريكاً للسلام، وان ما تفعله الانتفاضة على الأرض، ليس الرجل ببعيد عنها، اليوم لا ينكر نتانياهو وفريقه، وجود الشريك الفلسطيني في رام الله، فماذا قدموا لهذا الشريك؟

بح صوت أبو مازن وهو يطالب المرة تلو الأخرى، لتمديد تجميد الاستيطان فقط أثناء المفاوضات المباشرة التي طلبها الإسرائيليون، وضغط في سبيلها الأميركيون وقبل بها العرب، لكن على من تسمع مزاميرك يا داوود؟

لا أحد في إسرائيل يريد ان يسمع، بل ان بعض محلليهم، يتبجح في الذكرى العاشرة لانتفاضة الأقصى، بالحديث عن الانتصار، لأنه في رأيهم، وان شهد عام 2002 مقتل 232 إسرائيلياً، معظمهم في 53 عملية فدائية، فإنهم في 2007 وفي 2008 كانت هناك عمليتان فقط بمعدل واحدة في كل سنة.

هؤلاء لا يرون سوى القوة سلاحاً لتحقيق أهدافهم، أما السلام وطاولات التفاوض، فهي للاستهلاك الدولي، وتخفيف الضغط على الحليف الأميركي، الذي كلما أراد تجميل صورته في الشرق الأوسط، سارع لجمع أطراف النزاع في واشنطن لالتقاط الصور، والإدلاء بتصريحات جوفاء عن المعوقات التي تعترض مسيرة السلام، وضرورة العمل على إزالتها، من دون الاعتراف أن أهم تلك المعوقات التدليل الزائد للإسرائيليين، ومنحهم المزيد من المال والسلاح.

تلك هي حلقة التسوية المفرغة، التي لا يكف الإسرائيليون، وبمساعدة الأميركيين، على دفع الفلسطينيين والعرب، على الدوران داخلها، غير مبالين بأن تلك الحلقة تضيق يوماً وراء الآخر، حتى كادت تخنق أنفاس المحاصرين فيها.

حصل الفلسطينيون على غطاء عربي للعودة إلى المفاوضات غير المباشرة، قبل ان يحصلوا على الغطاء ذاته للتفاوض المباشر، من دون ان يقدم الطرف الإسرائيلي أو الأميركي أية ضمانات لنجاحها، واليوم هل يحصل الفلسطينيون على غطاء ثالث لاستمرار المفاوضات، رغم استئناف الاستيطان؟

سؤال ربما إجابته تأتي ممن سيجتمعون داخل مقر الجامعة العربية خلال أيام، وان كان سيف الضغوط الأميركية يعطينا مؤشراً أولياً، إلى أين تتجه البوصلة، التي قد ترى ان السلام والاستيطان يمكن ان يجتمعان، بل ويتعايشان، طالما ان التسوية باتت هدفاً في حد ذاته!