تصوروا لو أن وزير خارجية دولة عربية وقف على منصة الأمم المتحدة ليعلن رغبة بلاده في التخلص من ربع المواطنين في دولته، ويطلب من دول العالم أن تساعده في إبرام «صفقة» تنتقل فيها تبعية هؤلاء إلي دولة مجاورة أو فرض الأمر عليها، ماذا كان سيكون رد فعل دول العالم علي هذا العرض الوقح ؟ وأي إدانة كانت ستتعرض لها الدولة العربية التي تحدث الوزير باسمها ؟

وأي عقوبات كانت ستفرض عليها بسبب هذه السياسات النازية؟ولكن الموقف يختلف بالطبع حين يكون المتحدث هو وزير خارجية إسرائيل، وحين يعلن بكل صفاقة من علي منبر الأمم المتحد أن الحل مع الفلسطينيين سيستغرق عقوداً وانه لا يمكن أن يقوم علي مبدأ «الأرض مقابل السلام »الذي ترتكز عليه كل جهود التسوية السياسية للصراع، بل علي تبادل الأرض المأهولة.

وهو ما يعني أن تستولي إسرائيل علي ما تستطيع من أرض الضفة ( بالإضافة إلي القدس بالطبع ) التي ملأتها بالمستوطنات والمستوطنين لتضمها (بدون أي عربي) إليها، مقابل التخلص من أكثر من مليون وربع مليون عربي رفضوا مغادرة وطنهم بعد نكبة 48 وتريد إسرائيل التخلص منهم حتى لا يهددوا «يهودية »الدولة العبرية!!

ماذا فعل العالم في مواجهة هذا الخطاب العنصري الوقح ؟، و لا شيء إلا بعض مقالات الإدانة وربما بعض كلمات العزاء المصحوبة بجهود التعمية علي خطورة التصريحات أو التهليل لتصريح صدر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو يقول فيه إن «مضمون خطاب وزير الخارجية لم يتم التنسيق بشأنه مع رئيس الوزراء الذي هو وحده المعني بالمفاوضات الدبلوماسية ».

هكذا وبدون أي إشارة إلي ما قاله ليبرمان عن التخلص من عرب 48، لأن الحقيقة تقول إن ما أعلنه وزير خارجيته بصراحة ووقاحة هو جوهر ما يطبقه نتانياهو من سياسات وما يؤمن به من رؤى للمستقبل، ومن هنا كان شرطه لأي حل مع الفلسطينيين هو الاعتراف ب«يهودية»الدولة الإسرائيلية وهو أمر ؟ لو تم ؟

لا يعني فقط إسقاط حق العودة بالنسبة للاجئين الفلسطينيين، بل إنه يفتح الباب علي مصراعيه للتخلص من عرب 48 الذين سيرغمون علي الخيار بين الولاء التام لدولة يهودية صهيونية أو سحب الجنسية منهم وطردهم من أرض آبائهم.

وهكذا، بدلاً أن ينتفض العالم في وجه هذه الحكومة العنصرية النازية و يبدأ في فرض العقوبات عليها، اعتصم البعض بالصمت، واكتفي البعض بالتعجب، وارتضي البعض «مسخرة »أن وزير خارجية دولة لا يتحدث باسمها، وبدلاً من أن تنتهز الولايات المتحدة الأمريكية التي ترعي «حصرياً «عملية التفاوض أو عدم التفاوض بين إسرائيل والفلسطينيين الفرصة لكي تستخدم نفوذها لإسقاط هذه الحكومة اليمينية التي تحكم إسرائيل.

والتي تعرف إدارة الرئيس أوباما أنها لا يمكن أن تسمح باتفاق سلام حقيقي تقول أمريكا إنه يمثل مصلحة قومية لها »، إذا بها تنحني مرة أخري أمام حكومة نتانياهو التي تمارس أكبر عملية ابتزاز للرئيس الأمريكي الذي يواجه انتخابات تشريعية في الشهر القادم.

ويذهب المبعوث الأمريكي ميتشيل «مستجدياً»موافقة نتانياهو علي تمديد تجميد الاستيطان لشهرين فقط (أي لما بعد الانتخابات الأمريكية ) تتواصل فيها المفاوضات مع الفلسطينيين، وتقدم الإدارة الأمريكية من الضمانات والإغراءات ما يدهش الإسرائيليين أنفسهم، فلا تكتفي بالوعد بتزويد إسرائيل بسلسلة من الأسلحة والوسائل القتالية شديدة التطور.

أو التأييد الكامل لمنع إدانة إسرائيل دوليا، بل تتعهد أيضا بإحباط أي مبادرة عربية حول فلسطين يتم عرضها في العام المقبل علي مجلس الأمن، ثم تلتزم بمنع الفلسطينيين من وضع موضوع الاستيطان كشرط للتفاوض مرة أخري، بمعني أنه بعد مهلة الشهرين تعود إسرائيل لنشاطها الاستيطاني كما تشاء، وتستمر السلطة في المفاوضات، وتستمر أميركا في رعايتها للتفاوض من أجل الوصول للحل الموعود، إن شاء الله.

وسيقال بالطبع إن ذلك يعني الإصرار علي الوصول لحسم قضية حدود الدولة الفلسطينية خلال الشهرين المباركين، و بالتالي يصبح معروفاً المناطق التي ستواصل فيها إسرائيل نشاطها الاستيطاني.

وسوف يكون الأمر «كارثة»إذا تم ذلك مع الانحياز الأمريكي السافر لإسرائيل، وفي ظل موازين القوة المختلة لصالح العدو، ومع تراجع موقف الرئيس الأمريكي و إدارته إزاء نتانياهو و حكومته.

وهي «كارثة »بدأت حين سلمت السلطة الفلسطينية بمبدأ «تبادل الأراضي »لتضفي الشرعية علي الاستيطان، لتكتب فصلاً جديداً في المأساة التي بدأت في «أوسلو»حين تركت كل القضايا الأساسية للتفاوض، وقدمت اعترافها بدولة العدو، دون أن تحصل في المقابل علي الدولة الفلسطينية وتستعيد القدس وحقوق اللاجئين .

وسط كل هذا «السيرك السياسي »المنصوب، تبدو الحقيقة الوحيدة التي ينبغي التوقف عندها والتعامل معها بكل جدية هي ما قاله وزير الخارجية الإسرائيلية ليبرمان بكل وقاحة ولكن بكل وضوح، فندرك أن ما بدأ في أوسلو يجب إنهاؤه، وان حل الدولتين ( بشروط إسرائيل و دعم أمريكا ) لم يعد حلاً، وأن التفاوض لن يصل لشيء إذا لم تكن تملك البدائل.

وأن البدائل لن نملكها إلا بإنهاء الانقسام الفلسطيني وإعادة بناء منظمة التحرير لتقود المقاومة الوطنية للاحتلال بكل الوسائل المشروعة، واستعادة التضامن العربي واستخدام مصادر القوة العربية لتصحيح الخلل وإعادة الحقوق.

ساعتها يصبح للتفاوض معني، ولا نذهب إليه استناداً إلي أنه «ليس هناك ما نخسره »كما قال أبو مازن، ربما لأنه أدرك انه ـ بعد كل هذه السنوات في ظل أوسلو ـ لم يعد لديه ما يخسره.

كاتب صحافي مصري

galal.aref@hotmail.com