كثيرة هي القضايا المجتمعية التي يعاني منها المواطن العادي. فمن تدني مستوى الخدمات الصحية ومستوى جودة التعليم المقدم إلى الناشئة إلى زحمة طرقاتنا والتي تكاد أن تحول حياتنا إلى كابوس مريع إلى التضخم وارتفاع أسعار كافة السلع والخدمات إلى غيرها من القضايا التي تمثل هما يوميا لذلك المواطن.
فلا غرو أن تكون القضايا التي تهم المثقف النخبوي كالتمكين السياسي وإثراء الساحة الثقافية ونشر الوعي البيئي وغيرها من القضايا المهمة ليست بذات قيمة عملية للمواطن العادي الذي يبحث عن لقمة العيش له ولأبنائه. فقد تحولت الحياة بالنسبة لهذا المواطن إلى معركة يومية لا يكاد ينتهي منها فصل حتى يبدأ فصل جديد في صباح اليوم التالي.
ويعد الغلاء احدى أهم القضايا التي تهم المواطن بعد أن طال كل شيء: أسعار الوقود التي ارتفعت مؤخرا، الملابس، أسعار الكتب والقرطاسيات وكافة مستلزمات المدارس، المواد الغذائية وأسعار الخدمات الضرورية.
وأصبح البث المباشر من إذاعات الدولة هو المنبر المفضل الذي يستطيع فيه المواطن بث همومه بعد أن ضاقت به السبل ويئس من كافة الحلول المقدمة لوقف الغلاء وتهيأ لحل عالمي معروف في كافة البلدان الفقيرة وهو «شد الحزام». فلا يكاد يخلو برنامج بث مباشر من مواطن أو مواطنة تبث شكواها من الغلاء الذي طال كل شيء دون أن يجد من يوقفه.
فليس هناك سلعة أو خدمة لم تتأثر بالمبرر الرئيس «ارتفاع أسعار البنزين والإيجار والأيدي العاملة» رغم التذبذب الكبير في أسعار البترول والانخفاض في قطاع العقار.
الغلاء أصبح وحشا يلتهم ميزانيات الأسر بعد أن التهم الزيادة التي طالت الراتب الشهري أيضا. فقد ارتفعت الأسعار مجددا بصورة جنونية حتى أصبحت مدننا تصنف في مرتبة متقدمة في قائمة «أغلى مدن العالم» وهي القائمة التي تأخذ في الحسبان الأجور المقدمة والإيجارات وأسعار السلع والخدمات وغيرها من القضايا.
وعلى الرغم من الاختلاف الكبير بين الشرائح الاجتماعية التي تقطن مدننا وبين تلك التي تقطن المدن العالمية الكبرى ورغم غياب الصناعة في مدننا إلا أن الغلاء لم يفرق بين مدينة عالمية وأخرى بل وضعها جميعا في سلة واحدة وهي سلة المدن الكبرى.
لم يعد الغلاء في مجتمعنا مرتبطا بالمدن بل طال الأطراف. وعلى الرغم من الاختلاف الواضح بين العيش في المدن وفي الأطراف إلا أن المبرر ظل واحدا: ارتفاع أسعار الخدمات والنقل من موانئ المدن والذي يؤثر بشكل كبير في كافة الأسعار والخدمات المقدمة في الأطراف. وهكذا تتعدد المبررات والغلاء واحد، ولا يجد المواطن البسيط ذو المصدر الوحيد للعيش سوى الرضوخ لمصطلحات السوق:
العرض والطلب وارتفاع أجور الخدمات على مستوى العالم. ولم يجد أمامه من وسيلة الا بث شكواه عبر أحد برامج البث المباشر وصب جام غضبه على المجلس الوطني منتقدا إياه على فشله الذريع في اتخاذ إجراءات اقتصادية حازمة لوقف ماكينة الغلاء.
ففي اعتقاد هذا المواطن البسيط أن الأول لم يعمل شيئا لإصلاح الخلل اما تهاونا وتراخيا واما لا مبالاة بشكوى المواطن الذي أوصله إلى كرسي المجلس.
الارتفاع الأخير في الأسعار يبدو أنه مبرمج فليس كل سلعة ارتفع ثمنها يمكن تفسير وربط ارتفاعها بالمبررات المذكورة سابقا. بل ان بعض السلع الغذائية التي لا غنى عنها لأي بيت كالطماطم مثلا شهدت مزادا علنيا دراماتيكيا في الأسواق مؤخرا.
فذلك الاختفاء المفاجئ من الجمعيات التعاونية ثم الظهور العلني في بعض المحال التجارية العادية وبأسعار عالية يدعونا إلى التفكير في الكيفية التي تستورد وتسوق فيها بعض السلع إلى أسواقنا. فهل هو جشع من قبل التجار وموردي السلع ام أن هناك أيدي خفية تحاول تقييد السوق وربطه لصالح فئة أو جهة معينة؟
ذلك الارتفاع في أسعار بعض السلع الغذائية كالخضراوات مثلا واختفاء بعضها يجعلنا نتساءل عن بعض الشعارات التي كنا نسمعها قبل حوالي أربعين عاما. فعند بدايات الاتحاد كنا نسمع شعارات تحمل عنوان «الاكتفاء الذاتي» وسلة الطعام والتصنيع وسد احتياجات السوق المحلي وغيرها من الشعارات التي تقودنا إلى التفكير:
السنا قادرين اليوم على سد احتياجات السوق المحلية من حاجاتها البسيطة خاصة بعد أن زادت الرقعة الزراعية أضعاف أضعافها على ما كانت عليه قبل أربعين سنة؟
السنا قادرين اليوم على أن نكتفي ذاتيا ليس بالأرز والخبز ولكن على الأقل ببعض الصناعات البسيطة كالقرطاسيات مثلا؟ اليوم وبعد أن أصبحنا نصدر الملابس الجاهزة ونزرع الفراولة وغيرها من المنتجات غير الأساسية، ألسنا بقادرين على أن نزرع الطماطم والخضراوات البسيطة كالبقدونس مثلا، ونكتفي ذاتيا عوضا عن أن نعتمد على الاستيراد من الخارج ونخضع بالتالي لشروط التجار وجشعهم؟
لقد زادت الرقعة الزراعية مؤخرا وبدأت الدولة تصدير بعض السلع الفائضة عن حاجتها فبالأحرى إذا أن نبدأ بالتخطيط الجيد لما يتطلبه هذا السوق مستقبلا من احتياجات غذائية ومستلزمات صناعية بسيطة خاصة بعد أن أصبحت كل إمارة تمتلك منطقة صناعية حرة. أليس بالأحرى بنا أن نبدأ من الآن التخطيط لمستقبل مدننا في المنظور القريب أم أن هذه جزء من الأمنيات؟
يبدو أن الغلاء سوف يظل سمة ملازمة لمجتمعنا مدى الحياة. ففي سنوات الطفرة والاستيراد من الخارج كان المبرر أن مجتمعنا من مجتمعات الرفاهية الذي في إمكانه أن يستورد وأن يأكل براحة ثمار ما زرع الآخرون وبالمقابل عليه أن يدفع أكثر مقابل تلك الخدمة. وأما الآن وبعد أن اتسعت الرقعة الزراعية وأصبحنا نزرع محليا لبعض المزروعات كالخضار مثلا، أصبح المبرر أنه مكلف وبالتالي فهو غال.
واليوم، وبعد أن أصبحت معظم مدننا «مدنا كبرى» فلا يمكن بالطبع لأسعار السلع أن تنخفض لأن احدى أهم سمات المدن الكبرى هي الغلاء حتى ولو كان نصف قاطنيها من محدودي الدخل. وهكذا تظل كافة الحلول المقدمة لوقف طاحونة الغلاء حبرا على ورق ما لم تكن هناك حلول أخرى جذرية متمثلة في وقف من يتلاعب في أرزاق الناس البسطاء.
جامعة الإمارات