ليس من المبالغة في شيء القول إن اجتماعات الدورة السادسة والثمانين للمجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع لجامعة الدول العربية والتي اختتمت أمس الأول برئاسة السلطنة اتسمت بالكثير من الأهمية، سواء على مستوى التعاون والعمل العربي المشترك في إطار جامعة الدول العربية، وهو ما تدعمه السلطنة على نحو واضح ومتواصل على امتداد الاربعين عاما الماضية، أو فيما يتصل بالأهمية الكبيرة والمتزايدة للتعاون بين الأشقاء في المجالات غير السياسية، أي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتقنية وفي مجالات الطرق والاتصالات وغيرها من المجالات التي يمكن أن تنعكس إيجابيا على الحياة اليومية للمواطن العربي في كل أرجاء المنطقة العربية.
وإذا كان العمل العربي المشترك قد انطلق في إطاره التنظيمي عبر جامعة الدول العربية في عام 1945، وقبل إنشاء منظمة الامم المتحدة، بل وقبل كل منظمات التعاون الاقليمي الموجودة الآن في العالم، فإن السنوات الخمس والستين الماضية انشغل فيها العرب بالقضايا السياسية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والعلاقات مع القوى الدولية المختلفة وما يتصل بالسلام والاستقرار في الشرق الأوسط وغيرها، وبالرغم من أهمية تلك القضايا وتأثيرها على الأوضاع في المنطقة إلا أن الدول العربية لم تعط اهتماما كافيا، ولا كبيرا للتعاون في المجالات غير السياسية، وذلك بالرغم من نقطتين أساسيتين:
أولهما أن جامعة الدول العربية حثت في ميثاقها على التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بين الأشقاء، والأكثر من ذلك أن اتفاق الدول المؤسسة للجامعة على ذلك كان حاسما وسريعا وواسعا ليشمل ليس فقط الدول الأعضاء بالجامعة ولكن أيضا الدول والأقاليم والمناطق العربية الأخرى التي لم تنضم إلى الجامعة لسبب أو لآخر، وذلك أمر ينطوي على الكثير من الدلالات.
أما النقطة الثانية فإنها تتمثل في أن التعاون في المجالات غير السياسية من شأنه أن يعمق ويوسع إطار المصالح المشتركة والمتبادلة بين الأشقاء ويزيد من الترابط فيما بينها بشكل عملي وهو ما يدعم في النهاية من فرص التقارب فيما بينها وتجاوز أية خلافات قد تنشأ بشكل أسرع وبطرق ووسائل تحافظ على تلك المصالح وتدفعها للأمام.
على أية حال فإنه برغم كل ما يقال حول بطء أو محدودية أو ضعف العمل العربي المشترك في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية – والأسباب كثيرة ومتنوعة – إلا أنه لا يمكن التقليل من أهمية الخطوات التي تم إنجازها على هذا الطريق، ومنها على سبيل المثال إنشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي، والارتفاع بمستوى التمثيل فيه ليكون على المستوى الوزاري، وكذلك عقد قمم اقتصادية عربية مثل قمة الكويت في يناير من العام الماضي وقمة شرم الشيخ في يناير القادم.
وبينما يعمل المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي من أجل استكمال منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وتأمين سبل تعاون عربي لمواجهة أزمة الغذاء والمياه في المنطقة العربية، والبحث في تفعيل التعاون بين الأشقاء واستثمار الامكانات العربية المتنوعة من كثرة وقوة عمل وموارد معدنية وموقع تجارة وغيرها، فإن رئاسة السلطنة للدورة السادسة والثمانين لاجتماعات المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي أعطت في الواقع دفعة لمختلف الملفات التي تمت مناقشتها.
ولاسيما صندوق الدعم الصندوق العربي للمشروعات المتوسطة والصغيرة الذي أنشئ بمبادرة من سمو أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح خلال قمة الكويت في يناير عام 2009 من أجل تنشيط هذا القطاع لاستيعاب أعداد أكبر من الباحثين عن عمل ولتطوير التنمية العربية بوجه عام. وخلال الاجتماعات أعلنت السلطنة عن دعمها للصندوق بمبلغ 20 مليون دولار إيمانا منها بأهمية وضرورة تفعيل التعاون العربي في مختلف المجالات وخاصة المجالات غير السياسية من أجل تهيئة حياة أفضل لشعوب ودول المنطقة اليوم وغدا.
