في جل ما عقد من مؤتمرات واجتماعات أممية ودولية مؤخرا، وما صدر عنها من قرارات أو توصيات، وما ألقي فيها من كلمات نسمع لها رنينا ولا نرى طحينا، ومن تمنيات وشعارات بلا إرادات ولا تطبيقات، بدا للجميع أن ميزان العدالة الدولية مائل لصالح الأقوياء على حساب الضعفاء وللأغنياء على حساب الفقراء، ولدول الشمال على حساب دول الجنوب بما يجعل الحقوق الإنسانية والدولية المشروعة ضائعة في الكثير من مناطق العالم، بصورة بدت فيها سوءات النظام الدولي مكشوفة للجميع.
فلقد كشفت القمة العالمية لتقييم ما تحقق من الأهداف الإنمائية للألفية الثالثة، التي عرفت ب«قمة مكافحة الفقر والجوع»، بعد عشر سنوات من إعلان هذه الأهداف وقبل خمس سنوات فقط من موعدها عن هوة كبيرة بين ما تحقق وما كان مفروضا أن يتحقق في عام 2015 لتخفيض معدلات الفقر والجوع السائدة في العالم إلى نصف ما كانت عليه عام 2000.
وتمخض العالم فولد قرارا بتوفير 40 مليار دولار فقط من الدول الغنية لمساعدة الدول الفقيرة وهو ما يقارب قيمة صفقة سلاح أميركية واحدة لإسرائيل ب30 مليار دولار، وبما لا يفي بتحقيق نصف تلك الأهداف الإنسانية النبيلة!
وأسوأ تلك السوءات هو غياب العدالة الدولية، وهو ما بدا لنا في تلك المؤتمرات متصلا بالمحاولات الأميركية والغربية المخالفة للمبادئ الإنسانية والدولية لإبقاء إسرائيل المتحدية لقرارات الشرعية الدولية والخارجة على القانون الإنساني والدولي خارج دائرة أي إدانة على احتلالها واعتداءاتها وجرائمها ليس ضد الفلسطينيين فقط ولكن ضد العرب والمسلمين، حتى تبقى غالبا فوق القانون الإنساني والدولي!
رأينا ذلك في اجتماعات الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي سبقت اجتماعات قمة الألفية، وفيها تصدت الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية التي صدعت رؤوس العالم بضرورة منع الانتشار النووي، وبالمزاعم التي لا دليل عليها حول البرامج السلمية النووية لدول عربية وإسلامية مثل سوريا وإيران، لإجهاض مشروع القرار العربي والإسلامي الذي دعمته روسيا والصين والدول غير المنحازة والذي «يدعو» إسرائيل لتوقيع معاهدة منع الانتشار النووي، بما يعني رفض مجرد «الدعوة»، ومحاولة فرض «إسرائيل نووية» لتهديد كل العرب وكل المسلمين.
ورأينا ذلك في الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تحدث فيها الرئيس الأميركي عن «إسرائيل يهودية» على أربعة أخماس فلسطين، بينما لا تزال تحتل الجزء الخامس وتواصل فيه الاستيطان المدان دوليا، أي أن أميركا والغرب تريد فرض «إسرائيل نووية ويهودية» في آن واحد بالمخالفة لكل المبادئ والمعاهدات والأعراف الدولية، بما يهدد أمن العرب والمسلمين وبما يبدد حقوق الفلسطينيين لفرض الأمر الواقع ظلما، بدعاوي ساذجة من حرص على «السلام» تحت مظلة المفاوضات المباشرة من أجل السلام برعاية أميركية وغربية !!
ورأينا ذلك في المجلس العالمي لحقوق الإنسان وفيه انكشفت المواقف الأميركية والأوروبية التي صدعت رؤوس العالم بمبادئ الحرية وحقوق الإنسان، برفضها تشكيل لجنة تحقيق عالمية في جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات الاحتلال الصهيونية مرتين، الأولى في العدوان الصهيوني الوحشي على غزة، والثانية في الاعتداء الصهيوني الإجرامي على «أسطول الحرية» التركي لكسر الحصار الظالم على مليون ونصف المليون إنسان فلسطيني.
ومع ذلك باشرت لجنة جولدستون تحقيقها في القضية الأولى، مثلما باشرت لجنة تقصي الحقائق ولجنة الخبراء الدولية تحقيقاتها في القضية الثانية، وبينما رفضت إسرائيل التعاون مع التحقيقات لأنها فوق القانون، انتقدت الدولة الأميركية ما انتهت إليه اللجان الأممية من وجود دلائل على جرائم توجب ملاحقة إسرائيل.
ورأينا ذلك أيضا في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والمشكلة بقرار تعسفي من مجلس الأمن، والتي استبعدت التحقيق في الفرضية الإسرائيلية، مثلما استبعدت التحقيق مع شهود الزور، فتضارب التحقيق الجنائي في قضية الشهيد الحريري مع الاستهداف السياسي، مرة باتهام كاذب لسوريا اعترف الرئيس الحريري أنه كان اتهاما سياسيا بناء على شهادة كاذبة لشهود الزور.
ومرة باتجاه حزب الله اللبناني بما يراه جل لبنان اتهام سياسي فتنوي ضد المقاومة ولصالح إسرائيل، مما دعا الرئيس اللبناني ميشيل سليمان للقول من نيويورك «إن المحكمة الدولية باتت بحاجة لاستعادة مصداقيتها التي أصبحت على المحك، وطالبها بتأكيد استقلاليتها بعيدا عن التسييس، والتحقيق في كل الوقائع والفرضيات بحثا عن الحقيقة وليس عن الاتهام السياسي».
وهو نفس ما رأيناه في المحكمة الجنائية الدولية التي ترفض التحقيق في الجرائم العدوانية الإسرائيلية بحجة عدم ولايتها على إسرائيل التي لا تعترف بها، بينما لا ولاية لها على السودان التي لم تعترف بها تتدخل عنوة بتخويل من مجلس الأمن في الشئون السودانية دون شرعية.
حيث وظفتها أميركا التي لم تعترف بها أيضا لتوجيه الاتهامات السياسية في ثياب قانونية ضد الرئيس السوداني، بهدف واضح هو الابتزاز السياسي والضغط الدولي لفرض انفصال الجنوب، تمهيدا لفرض فصل دارفور عقابا للسودان على مواقفه العربية والإسلامية من المشروعات الصهيونية والأميركية، مما دعي نائب الرئيس السوداني للمطالبة من على منبر الأمم المتحدة بسحب ملف دارفور من تلك المحكمة الدولية المسيسة.
ليبقى السؤال.. إلى متى يطول غياب العدالة الدولية ؟ وليبقى المطلوب من الأمم المتحدة الآن إصلاح ذاتها أولا حتى تتمكن من إصلاح شئون العالم، والوفاء بما جاء في ميثاقها من مبادئ وأولها عدالة دولية تضمن الحقوق الإنسانية والدولية بلا انتقائية ولا ازدواجية وبلا تمييز أو تسييس.
كاتب مصري