هل الديمقراطية غاية في حد ذاتها أم هي وسيلة؟

في سياق تبشيرها بقيم الديمقراطية الليبرالية، تحصر جمعيات حقوق الإنسان الغربية رسالتها في الدعوة إلى الحق في الحريات العامة ـ بما في ذلك حرية التعبير وحرية التجمع ـ وحرية الانتماء السياسي، بالإضافة إلى سيادة القانون واستقلال القضاء. لكنها تتعمد إغفال حقوق الإنسان الأساسية الاجتماعية، وفي مقدمتها حق العيش الكريم، وحق العمل، وحق التعليم، وحق العناية الطبية.

هذه الحقوق الأساسية الاجتماعية، هي التي ينبغي أن تحققها الديمقراطية؛ بمعنى أن يكون النظام الديمقراطي وسيلة وليس غاية، وإلا فما معنى أن تتوفر لدى المواطن في بلد ما حرية التعبير، بينما هو عاطل لا يجد فرصة عمل مناسب، أو جائع يشكو مسغبة، أو مريض يعجز عن تدبير كلفة العلاج؟!

على المستوى العالمي، تتدهور سمعة الديمقراطية الليبرالية الغربية. هكذا يقول الكاتب الصحفي الأميركي رودجر كوهين.

لماذا؟

عدد الدول التي تأخذ بالنظام الديمقراطية لا يتناقص، ولكن ما يقصد إليه الكاتب هو أن الديمقراطية «فقدت وهجها» مؤخرا. وانطلاقا من هذا الطرح الأساسي، ينتقل كوهين إلى مناقشة العلل والأسباب.

ابتداءً، فإن الحروب التي يشنها الغرب باسم الديمقراطية (العراق وأفغانستان)، أساءت إلى سمعة النظام الديمقراطي. ومما ضاعف من هذه الإساءة، ما تلجأ إليه دول الغرب من تنظيم ممارسات «ديمقراطية» زائفة، أبرزها عمليات انتخابية مزورة، ما يجعل من الديمقراطية ورقة توت لتغطية النفاق الغربي.

من ناحية أخرى، يعقد الكاتب مقارنة بين الصين والغرب، وأخرى بين الصين ودول أوروبا الشرقية.

من وجهة نظر الغرب، فإن الصين دولة غير ديمقراطية. لكن بينما كانت الدول الغربية ـ ولا تزال ـ متورطة في حروب تلو حروب، فإن الصين كانت ـ ولا تزال ـ تواصل نموا اقتصاديا حثيثا، وتتمتع بحالة من الاستقرار الداخلي، متجنبة الدخول في مغامرات عسكرية. لقد بلغ معدل النمو الاقتصادي الصيني السنوي في المتوسط 10%.. وهو رقم لا يسع الديمقراطيات الغربية سوى الحلم به. وعندما هبت عاصفة الأزمة الاقتصادية العالمية وانفجر النظام المالي الغربي، كانت الصين القوة العظمى الوحيدة التي لم تتأثر سلبا بالأزمة، الأمر الذي يعكس مدى متانة بنيانها الاقتصادي.

أما في دول شرق أوروبا، فإن القصة مختلفة. فابتداءً من مطلع عقد التسعينات، خرجت هذه الدول من حال إلى حال، في أعقاب انهيار المعسكر الاشتراكي السوفييتي.

بتدخل وتشجيع وتدبير من الغرب الرأسمالي، نبذت هذه الدول النظام الاشتراكي الشمولي، من أجل إحلال نظام ديمقراطي على الطريقة الغربية، يوفر من ناحية قيم الحرية الليبرالية، ويتيح في الوقت نفسه لشعوب هذه الدول ازدهارا اقتصاديا واستقرارا يجلب رفاهية العيش الكريم.

الآن، وبعد نحو عشرين عاما من تطبيق الديمقراطية الغربية (ونظام اقتصاد السوق الذي يتبعها)، انتشر البؤس المعيشي بين الفئات الشعبية في هذه البلدان، بحيث إن شعوبها صارت تحن إلى العهد الاشتراكي السابق.

وهنا نتوقف لنتساءل: هل تعني التجربة الصينية الإيجابية وتجربة شرق أوروبا السالبة، نبذ الديمقراطية الغربية جملة وتفصيلا؟

المواطن الصيني يملك اليوم المسكن المناسب الصحي، ويتناول ثلاث وجبات جيدة في اليوم، ويتلقى عناية صحية متوفرة له أين ما يكون في أنحاء البلاد، ويرسل أولاده إلى مدارس وجامعات تعطي تعليما حديثا متقدما وبالمجان. ولأن نمو الاقتصاد الوطني متسارع، فإن فرص العمل تتضاعف سنويا.. فلا توجد صفوف بطالة.

لكن، مع هذا كله، ليس في وسع المواطن الصيني أن يمارس حرية الانتقاد للنظام الحاكم، وليس متاحا أمامه من الوجهة السياسية الانتماء إلى تنظيم حزبي سوى الحزب الشيوعي الحاكم.. إذ لا يوجد حزب غيره.

في دول أوروبا الشرقية أصبح المواطن يتمتع بقدر واسع من الحرية الشخصية، بما في ذلك حرية انتقاد النظام وحرية الاقتراع الانتخابي، لكنه يواجه على الدوام احتمال أن يفقد وظيفته. وقد لا يكون في وسعه أن يوفر لأبنائه تعليما جيدا، إذا كان لا يملك القدر الكافي من المال.. فكل شيء له ثمن وفقا لمبادئ اقتصاد السوق، بما في ذلك الخدمات الاجتماعية الأساسية.

إذن، فإن السؤال الذي يطرح هو: أيهما أفضل؟

لا يجوز بالطبع إلغاء القيم السامية التي تقوم عليها الديمقراطية الليبرالية الغربية، لكن على المستوى التطبيقي فإن الممارسة الواقعية قد لا تكون في مستوى التنظير.

في وسع المواطن العادي، في الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية، أن يمارس حرية الاقتراع على مدى عُمر بأكمله، لكنه لن يستطيع أن يغير حقيقة أن شريحة من كبار الأثرياء لا تمثل 1% من سكان البلاد، تسيطر على 80% من موارد الدخل القومي. وهي الشريحة التي تهيمن على مؤسسات النفوذ المالي.

أما بالنسبة إلى شعوب الدول النامية ـ ومنها الشعوب العربية والإسلامية ـ فإن الخيار المتاح لها هو: الخبز أو الحرية. ويقيني هو أنها إذا ضمنت الخبز، فإن في وسعها الاستغناء عن الحرية.

المؤسف حقا أن هذه الشعوب فقدت الاثنين معا.

كاتب صحفي سوداني

hisham200775@yahoo.com