احتشد ألفان من المتطرفين اليهود في الضفة الغربية، قبيل انتهاء المهلة التي كانت مقررة لوقف بناء المستوطنات الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية المحتلة. وفي اليوم التالي بدأت الجرّافات تسوية الأرض، وعمدت خلاطات الإسمنت إلى صب الخرسانة، في إشارات رمزية يعتبرها أغلب المجتمع الدولي غير شرعية.

هذه الخطوة تهدّد بتقويض محادثات السلام في الشرق الأوسط، بعد أسابيع فقط من انطلاقها مصحوبة بضجة كبيرة في البيت الأبيض. وتترك الرئيس الفلسطيني محمود عباس في وضع يكاد يكون مستحيلاً، إذا انسحب من المحادثات فسوف يتهمه الإسرائيليون بأنه يقضي على مبادرة واشنطن، وإذا بقي كما هو فسوف تتهمه الفصائل الفلسطينية المتشددة، ومن بينها حماس، بأنه يبيع القضية.

وقد أعلن أنه يتعين على إسرائيل أن تختار «إما السلام أو المستوطنات»، لكنه على نحو متعقل، أرجأ أي قرار حتى يجري محادثات مع زعماء 22 دولة في الجامعة العربية في القاهرة قريبا. ليس هناك استعجال بعد قرابة عقدين من المحادثات المستمرة والمتوقفة، حول واحد من أكثر الصراعات تعقيدا في العالم.

جميع الأطراف في الصراع يعتبرون، أو يمكن القول، انهم عالقون. موقف محمود عباس ضعيف، فقد نفدت ولايته الديمقراطية، إلا أن الانتخابات التي مضى موعد إجرائها لا يمكن انطلاقها، نظراً للخلاف بين فتح وحماس.

ويواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ضغطاً شديدا داخل حكومته الائتلافية اليمينية، بشأن استئناف بناء المستوطنات التي يعيش فيها الآن ما يقارب نصف مليون إسرائيلي. ويواجه الرئيس الأميركي باراك أوباما، بصفته وسيطا للمحادثات، انتخابات في نوفمبر المقبل، حيث يجد نفسه مترددا في إثارة استياء جماعات الضغط الإسرائيلية في واشنطن.

ومن وراء الكواليس يمارس أوباما الضغط على عباس من أجل الاستمرار في المحادثات، رغم رفض نتانياهو تمديد وقف بناء مستوطنات جديدة. وهو ينبغي أن يمارس الضغط على الإسرائيليين أيضا، من أجل تجديد وقف البناء الذي وافقت عليه إسرائيل في نوفمبر 2009، بضغوط من واشنطن.

ورؤساء الوزراء الإسرائيليون السابقون الذين كانوا يتفاوضون في اتفاقيات سلام، كانوا دائما يجدون إلى اليمين منهم نتانياهو مهددا بتخريب عملهم. وليست هناك شخصية لها مكانتها إلى يمين نتانياهو، ولا يوجد شيء يمنعه من الانفصال عن جناح اليمين في حكومته الائتلافية، وإدخال حزب الوسط «كاديما» في الحكومة، إذا كان يريد تقديم تنازلات. والحقيقة هي أنه غير مستعد لذلك.

وتحتاج واشنطن إلى فرض بعض التأثير هنا، وبشكل خاص عليها تذكير إسرائيل بالمعونات العسكرية السنوية التي تقدمها لها بقيمة ملياري دولار، واعتراضها الدائم على القرارات التي تنتقد إسرائيل في الأمم المتحدة، وان كل ذلك ليس بدون شرط.

ببساطة، لا ينبغي على نتانياهو رفض تمديد وقف بناء المتسوطنات لمدة ثلاثة أشهر أخرى ـ كما ينبغي عليه أن يفعل ـ دون أن يجد أن هذا الرفض ستكون له تكلفة سياسية باهظة.

وحتى إذا كان نتانياهو لا يريد تمديد هذا الوقف علنا لمدة ثلاثة أشهر أخرى، فيمكنه، من الناحية العملية، كبح أي عمليات بناء جديدة تتم على نطاق واسع، ورفض إعطاء تصاريح البناء الجديدة، وإصدار تعليمات إلى المصارف والمطورين بأنه لن يكون من الحكمة الالتزام بمشروعات بناء جديدة.

لو اقتنع المفاوضون الفلسطينيون بأن أعمال البناء في الضفة الغربية سوف تكون محدودة، فقد يكون ذلك كافياً للحفاظ على سير المفاوضات في واشنطن. قد يكون أمرا فرعيا، ولكنه يبدو أفضل أمل لاستمرار المحادثات.

والمستوطنات هي الحلقة ا؟ولى فحسب، ضمن مجموعة كاملة من القضايا الشائكة، التي تتطلب الحل التوفيقي والغموض الخلاق في طريق سير المحادثات. ولكن استمرار المحادثات أفضل من اللجوء إلى البديل.

صحيفة «إندبندنت» البريطانية