لا يزال الفلسطينيون متمسكين برفضهم القاطع عدم الاستمرار في المفاوضات المباشرة في ظل سرطان الاستيطان الذي يتهددهم بطردهم من أرضهم ويقضي على أحلامهم برؤية دولتهم الفلسطينية التي ما فتئوا يناضلون بشتى السبل لجعلها واقعًا، وهذا ما يحسب لهم حقيقة. وما برحوا يجددون موقفهم الرافض وتكراره على آذان العالم أجمع إن كانت تسمع ولم تصمها مراوغات الكيان الإسرائيلي وخداعه وكذبه، ولم تعمها أساليب التسويف والمماطلة عن رؤية الحق والواقع.

نعم إن قرار حكومة المتطرف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استمرار الاستيطان يعني قرارًا إسرائيليًّا بوقف المفاوضات، فالسلام والاستيطان ضدان لا يلتقيان، واستمرارهما فيه غبن كبير وغمط للحق، والإصرار عليهما والعمل على إجبار الطرف الأضعف (وهو طبعًا الجانب الفلسطيني) على مواصلة المفاوضات هو ظلم بيِّن وسلب للحقوق لا يرتضيه أي عاقل وأي حر في العالم.

والسكوت عليه أو حتى مجرد الطلب من الجانب المسيطر والمماطل (وهو الجانب الإسرائيلي) بتجميد الاستيطان بلغة الخائف الخانع المستجدي، لا يعني إلا الرضا بما يجري ويفسره الإسرائيليون بأنه موافقة وتأييد للاستمرار في هذا الطريق المضاد لأبسط معاني السلام، والمؤكد لغياب الندية والجدية في الوقت ذاته.

الفلسطينيون يتساءلون:

"كيف يمكن للمجتمع الدولي الاستمرار في عدم إلزام "إسرائيل" بتنفيذ ما عليها من واجبات والتزامات تحت القانون الدولي؟"، و"لِمَ التعامل معها كدولة فوق القانون؟ ألا يعني ذلك دفع المنطقة ودولها وشعوبها إلى دائرة العنف والفوضى والتطرف وإراقة الدماء؟

نعم يدرك المجتمع الدولي هذه الحقيقة، وهي أن الكيان الإسرائيلي برفضه السلام وإصراره على التهام الأرض وقتل البشر واقتلاع الشجر والحجر يعني إدخال المنطقة في دوامة لن تتوقف من العنف وسفك الدماء، لكن للأسف ثمة ما يعينهم على ما يمكن تسميته غض الطرف والتهاون وعدم الجدية في إلزام الإسرائيليين باستحقاقات السلام والاستجابة للمطالب الدولية والشرعية.

وهو ضعف ووهن الظهر العربي الساند للموقف الفلسطيني، بل إن الظهر العربي أصيب بانحناء نتيجة الشيخوخة والعقم الذي أصاب كل مفاصل السياسة العربية، وبالتالي فلم يعد قادرًا على الوقوف.

وقد تأكد ذلك (للإسرائيليين وحلفائهم أو رعاة السلام) من خلال موقف لجنة متابعة مبادرة السلام العربية التي تركت الباب مواربًا بموافقتها على المفاوضات المباشرة وجعلت موعد انطلاقها وتحديد مرجعيتها للفلسطينيين وحدهم، وها هم الفلسطينيون ينوون الرجوع إلى لجنة المتابعة في الرابع من أكتوبر المقبل من أجل تحديد موقفهم من استمرار المفاوضات من عدمه.

ولذلك لا غرابة أن يعلن وزير الخارجية الإسرائيلي المتطرف أفيجدور ليبرمان عن عدم ندمه على ما ورد في كلمته الليلة قبل الماضية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وأثارت ردود فعل غاضبة وسريعة من نتنياهو خاصة وأنه لم يجرِ تنسيقها مع مكتب رئيس الحكومة، حين أكد أن الأمر ربما يستغرق "عدة عقود" حتى يتم التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين، مصرًّا على أن تعليقاته تعبر عن وجهة نظره الواضحة والثابتة والتي سبق وعبر عنها، كما أنها تحظى بدعم أغلبية الإسرائيليين.

وكما هو معروف عن ليبرمان صراحته وأنه المرآة العاكسة لموقف كافة الإسرائيليين على مختلف مراتبهم داخل المجتمع الإسرائيلي، الأمر الذي يمكن استشفافه من غضب نتنياهو أن الأخير يعتمد أسلوب المراوغة والمماطلة ليس إلا، ولا يوجد هناك ما يمكن أن يقدمه للفلسطينيين، وإنما يلعب على عامل الزمن لإحراز مكتسبات على أرض الواقع.

ولو أن الظهر العربي مستقيم ومحافظ على صلابته واستقامته لاختلفت لغة الخطاب السياسي الإسرائيلي واحترم الإرادة الدولية، ولتغيرت لغة الطلب الأميركية من الميوعة إلى الشدة والقوة.