الناظر إلى الكويت من بعيد عبر فضائياتها الخاصة، والقارئ لصحافتها وهو لم تطأ قدماه أرضها، يحسب أن الكويتيين في شقاق بعضهم مع بعض، وأن روح العداء مستحكمة بين سنتهم وشيعتهم، وبين أبناء حضرهم وأبناء قبائلهم.
أما واقع الحال فهو عكس ذلك، فالصفاء والود والمحبة بين الكويتيين قائمة، بغض النظر عن الخلفيات الاجتماعية التي ينتمون إليها! وما يسمعه ويراه البعيد، ويعايشه القريب، لا يعدو أن يكون «صخباً إعلامياً» و«مسرحية مفتعلة»، تتكرر كلما هدأت الأجواء، غايتها التكسب السياسي، ومحركها بعض «الأقطاب المتصارعة»!
وفي هذا الإطار جاءت قضية «الداعية» ياسر الحبيب، التي شغلت الرأي العام الكويتي مؤخراً، والتي تم من خلالها شحن الشارع بجرعة «طائفية» زائدة عن الحد! وياسر الحبيب هذا (وهو شخص غير متفقه في الدين) كان قد حكم عليه بالسجن في قضية سب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، إلا أنه خرج من السجن بعفو أميري، قالت الحكومة عنه إن اسمه أدرج خطأ فيه.
ثم هرب إلى الخارج واستقر أخيراً في لندن، ليواصل تهجمه وتطاوله على السيدة عائشة، زوج الرسول صلى الله عليه وسلم، وليثير بلبلة في وطنه الكويت.
وكانت لأقوال الحبيب المشينة أبعاد «طائفية»، فعلى الرغم من أن جميع التيارات السياسية أدانت تلك الأقوال، إلا أنها اختلفت في العقوبة الواجب تطبيقها عليه، فذهب السلفيون والإخوان المسلمون إلى وجوب سحب جنسيته، وأنذروا وزير الداخلية بالاستجواب إن هو لم يستجب، وأعطوه مهلة قصيرة.
أما نواب الشيعة، فقد استنكروا كلام الحبيب بشدة، واعتبروه شخصاً مريباً، غير أنهم طالبوا بتقديمه للمحاكمة، ليقول فيه القضاء كلمته.
وفي هذه الأثناء امتلأت الصحف الكويتية بمقالات شتى حول أقواله، وتبارى الكتاب من جماعات الحركات الدينية في التهجم بعضهم على بعض، وترافق ذلك مع مقابلات وتقارير بثتها الفضائيات، هذا إضافة إلى الندوات الجماهيرية التي عقدت في أكثر من مكان.
وفي هذا الجو المشحون، تعالت النغمة الطائفية، وأصبحت التجمعات الشعبية خطرة، بل وحتى البقاء في المساجد لمدة طويلة بعد الصلاة. فأمرت وزارة الداخلية بمنعهما، تحاشياً لتطور الموقف.
وجاء قرار الحكومة بسحب جنسية ياسر الحبيب ومن اكتسبها معه بالتبعية، ليضع حداً ـ ولو مؤقتاً ـ لتلك البلبلة التي عانت منها الكويت. وليس الحبيب (الشيعي) هو الأول في ذلك، بل سبقه عبد الله بوغيث (السني) في ذلك بعدة سنوات، لانضمامه لتنظيم القاعدة.
ولا شك أن سحب الجنسية وإسقاطها لهو من أشد العقوبات المدنية من حيث آثاره، فهو يحول الشخص (وربما من اكتسبها معه بالتبعية) إلى عديم الجنسية!!
ويحث الكثير من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان (كاتفاقية الأمم المتحدة للتقليل من حالات انعدام الجنسية الموقعة بتاريخ 30 أغسطس 1961) الحكومات على تجنب إيقاع مثل تلك العقوبة، واستبدالها بعقوبات أخرى، خاصة أنها قد تطال أناساً أبرياء لا ناقة لهم ولا جمل في مثل تلك الحالات، وهم أبناء وزوجات هؤلاء.
ومن الطريف أنه قبل قضية الحبيب بفترة، كان الرأي العام في الكويت ـ على الأقل كما يظهر على صدر صفحات جرائدها ـ منشغلا بمسألة الكويتيين الذين يحملون أكثر من جنسية.
حيث كان ينقسم كتاب الصحف إلى مناد بسحب الجنسية من أولئك على اعتبار أن قانون الجنسية الكويتي يمنع ذلك، وبين آخرين يرون إثارة مثل هذه المسألة إنما هي طعن في «أبناء القبائل». وفي كلتا الحالتين كانت تثار النعرات الطائفية والقبلية الممزقة للوحدة الوطنية، وكان يشكك في ولاء هذا الفريق أو ذاك للوطن.
أما حقيقة ولاء كل الكويتيين لوطنهم، من سنة وشيعة، وحاضرة وبادية، فهو عكس ذلك تماماً، وهو لا يحتاج إلى بيان أو برهان. ونحن نذكره هنا لنقول إن ما نمر به في الكويت شيء مصطنع، لا يمت إلى المشاعر الحقيقية لمواطنيها بصلة.
ففي دراسة أشار إليها الدكتور عبد الله سهر (الكاتب في جريدة الوطن 26/9) تحت عنوان: «قيم الانتماء الوطني والمواطنة: دراسة لعينة من الشباب في المجتمع الكويتي»، توصل زملائي في قسم الاجتماع في جامعة الكويت، معدو هذه الدراسة التي ستظهر عما قريب (الدكتور يعقوب الكندري، والدكتور حمود القشعان، والدكتور محمد الضويحي).
توصل هؤلاء الزملاء، كما ينقل لنا زميلنا أيضاً عبد الله السهر، إلى أن قيم الانتماء والولاء الوطني موجودة عند هؤلاء الشباب، بغض النظر عن خلفياتهم المذهبية أو القبلية أو غير ذلك.
وأزيد زملاءنا الأفاضل هؤلاء الذين قاسوا الولاء والانتماء الوطني قياساً علمياً، أزيدهم من الشعر بيتاً ـ كما يقال ـ وأقول لهم إنني حينما أخرج من منزلي وألاقي جيراني، فلا أجد بيننا إلا الود والصفاء، أما ما يعكر صفو حياتنا، فهم مجموعة من السياسيين المحترفين الذين أتقنوا فن التصيد في الماء العكر، وتلك «الأقطاب» التي وضعت مصلحتها الشخصية فوق مصلحة الوطن.
كاتب وأكاديمي كويتي
alyusefi@hotmail.com