الهاجس الحضاري النهضوي، كان ولا يزال دافعاً حثيثاً لحكومة دولة الإمارات منذ تأسيسها، واضعة نصب عينيها رقي أبناء الوطن وبلوغ أعلى درجات الريادة المجتمعية، والاستفادة من أحدث ما وصلت إليه الإبداعات العالمية ما دامت تصب في خدمة المجتمع.

وكاستجابة طبيعية لما تمليه مواكبة الحضارة لتأمين رخاء الإنسان أولاً وأخيراً، تم إطلاق البرنامج النووي الإماراتي السلمي، تحت مظلة استراتيجية واضحة تتمحور حول ثوابت حكومية تتبنى خيارات المصداقية أساساً للتعامل مع هذه القضية. ولعل الحساسية المفرطة لموضوع استخدام البرنامج النووي، لدى دول العالم المصنعة وغير المصنعة للطاقة النووية، دفعت الإمارات لتبني مبدأ الشفافية التشغيلية في التعامل معه، معتبرة هذا المبدأ أحد العناصر الرئيسية لسياسة الدولة تجاه تطوير برامج الطاقة النووية، في ضوء حنكة قادتها المرنة، وفكرهم المستنير الملم بأساسيات التناول الحضاري، بما يؤهل الإمارات دائما لدور الريادة.

والعيش في رحاب هذا المبدأ عند التعاطي مع البرنامج النووي السلمي، ضرورة يفرضها نبل الغايات في الاستفادة إلى أقصى الدرجات من مفرزات حضارة وعلم جاء لتسهيل حياة الناس لا تعكيرها، وترسيخ أمن المجتمعات لا الإخلال بها.

وتعامل الإمارات مع هذا الموضوع وفق نهج حضاري، لم يكن شيئاً نظرياً بقدر ما كان التزاماً وتطبيقاً عملياً، يؤسس لسلامة الفكرة والنتائج والمقاصد والتبعات. ولذلك بادرت الحكومة إلى اتخاذ جملة من الخطوات العملية، تؤكد هذا المبدأ وتؤسسه وتضمن حسن سيره وتطبيقه على أعلى درجات النزاهة المطلوبة، وذلك ما أكدته الحكومة بإعلان أن إعداد ونشر وثيقة سياسة الحكومة بشأن تطوير برنامج للطاقة النووية، خطوة أولى لتحقيق مبدأ الشفافية التشغيلية للبرنامج النووي، إضافة إلى خطوات أخرى تنسجم مع هذا المنطلق، كان منها مؤخراً تشكيل مجلس استشاري دولي لبرنامج الإمارات.

يضم نخبة من الخبراء المتميزين عالمياً، حيث يقوم المجلس، بكونه مستقلاً عن الهيئات المنفذة والرقابية للبرنامج، بإجراء تقييم مستمر للبرنامج، وتوفير التقارير والنتائج للمجتمعين المحلي والدولي، مع التأكيد المستمر على أن قرار تطويره كان وسيظل مصحوباً بتقييم واسع للمتطلبات الوطنية والدولية، مع ملاحظة أن اعتبارات الأمن والأمان النووي وحظر الانتشار، تعد من أهم الركائز التي يدور حولها السعي الجاد لبلوغ أقصى ما يقدمه هذا المجال من خدمة للمجتمع، وفق منطلقات تحسن التعامل معه وتضمن تطوره على الوجه الأمثل. ويأتي ذلك بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والدول المسؤولة ذات الخبرة، بشكل يضمن نجاح واستدامة البرامج على المدى الطويل.

وتجسيداً لهذه المنطلقات، انضمت الإمارات عام 2009 إلى عدة صكوك دولية في مجال الأمان النووي، منها اتفاقية الأمان النووي مع الوكالة الدولية، والتي تشكل إطاراً مهماً للدول الأعضاء في الوكالة لتبادل الخبرات التشغيلية ومراجعة إجراءات السلامة النووية بما يضمن التطور المستمر، كما قدمت الدولة تقريرها الأول حول تطبيق اتفاقية الأمان النووي هذا العام.

وبشكل مرادف لهذه الإجراءات، اتخذت الإمارات خطوات متقدمة في تطوير البنية التحتية التشريعية والمؤسسية للأمن النووي، والعمل على النهوض بنظام التحكم في الصادرات والواردات، مع الاستعداد الدائم والدعم الكامل لتعزيز إطار فاعل يضمن التعاون الدولي في مجال الأمن النووي.

ولا شك أن وثيقة سياسة الحكومة بشأن تطوير برنامج للطاقة النووية السلمية، تمثل سلسلة من الاستراتيجيات والالتزامات التي تعهدت بها الحكومة في تطوير برنامجها بطريقة مسؤولة، تخضع للمراقبة الدقيقة على أعلى المستويات وأدقها وأكثرها احترافية واختصاصية، وبشكل ينسجم مع الرؤية الكلية التي تسير عليها الدولة، والتي تتخذ من وضوح الرؤية مادة لتصدير مبدأ الشفافية إلى الآخرين.

هذا النهج الإنساني الحضاري الراقي، يؤهل الإمارات بجدارة لأن تكون نموذجاً يتيح للدول التي لا تملك برامج نووية، دراسة توظيف الطاقة النووية بدعم كامل وثقة تامة من جانب المجتمع الدولي، وأن تسير في هذا السبيل على سياسة سليمة، تحت مظلة التواصل مع المجتمع الدولي على جميع المستويات المعنية بهذا الخصوص.

وقد أثنى يوكيو أمانو مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على نهج الإمارات في تطوير برنامج الطاقة النووية السلمية، مؤكدا أنه يحظى بشعبية عالية، لما اعتمدته الدولة من سياسة شفافة وخطوات ناجحة، تضمن له الوصول إلى أرقى درجاته، من دون أن يشوبه الانتقاد.

نعم.. إماراتنا حقاً نموذج رائد، يتخذ من الشفافية مبدأً.