تحول الحديث حول المفاوضات المباشرة الأخيرة إلى حديث حول وقف الاستيطان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية ، ثم تحول الحديثان إلى ما يشبه الضجيج الإعلامي ، حيث تأتي التصريحات من كل حدب وصوب حول تعنت اسرائيل في مسألة وقف الاستيطان وإصرار الحكومة الإسرائيلية على رفض تمديد قرار تجميد الاستيطان.

العالم كله تقريبا يعترف بان الاستيطان عقبة في طريق المفاوضات ، والإدارة الأميركية محبطة من عدم انصياع إسرائيل لمناشدات واشنطن ، والمانيا تواصل (المناشدة) على لسان وزير خارجيتها جيدو فيستر فيله ، ونظيره البريطاني يطالب إسرائيل بتمديد (مهلة التجميد) وساركوزي يدعو من باريس إلى محادثات سلام جديدة ، ويقول ان عباس ونتنياهو وافقا عليها! فما الذي كانوا يفعلونه خلال لقاءات واشنطن وشرم الشيخ والقدس المحتلة؟. ألم تكن مباحثات (مباشرة) أو محادثات أو مفاوضات؟ لا فرق بين هذا وذاك ، الكل يصرح ، والكل يناشد ، والكل يطالب ، وآذان الحكومة الإسرائيلية مغلقة دون ذلك وجرافاتها تتحرك بحرية إلى مواقع البناء في البؤر الاستيطانية ، وكأن العالم من حولها هباء.

إن هذا الضجيج العالمي يوحي وكأن هناك التزام حقيقي بحل عادل للقضية الفلسطينية إلا أنه لا يحدث أي تأثير في الواقع ، لانه ليس مشفوعا بمواقف عملية ، بل انه يشكل غطاء واقيا للحكومة الاسرائيلية لتواصل أعمالها العدوانية ، ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى عدة نقاط:

أولا: إن هذه ليست المرة الأولى التي تعقد فيها مفاوضات يتبعها هجمة استيطانية (بل ويتزامن معها) فقد حدث ذلك في الماضي كثيرا.

ثانيا: إن عمليات الاستيطان لم تتوقف خلال المفاوضات المباشرة الأخيرة كما زعمت اسرائيل ونسج على زعمها أولئك الذين يطالبونها اليوم بتمديد (التجميد الوهمي). فقد رصدت السلطة الفلسطينية بأجهزتها المتعددة ، وكذلك شهود عيان من المدنيين ، وجماعات ومنظمات سلام عالمية تعمل في الأراضي المحتلة ، ما يعد بالآلاف من البؤر الاستيطانية التي استمر العمل فيها خلال مرحلة الإعداد للمفاوضات المباشرة وأثناءها ، بمعنى انه لم يكن هناك تجميد من الاساس، وكلها فرقعات اعلامية تنبني عليها مواقف سياسية بكل أسف من جانب المطالبين والمناشدين في مفارقات تزيد من مرارة الموقف.

ثالثا: إن تجميد الاستيطان فقط أمر غير كاف ، فالاستيطان دائما تسبقه اجراءات عدوانية وقهرية أسوأ من الاستيطان نفسه ، حيث يتم مسبقا التمهيد له بهدم الأبنية والممتلكات الفلسطينية في القدس المحتلة ، والضفة الغربية ، وصحراء النقب ، كما تم خلال الشهور العشرة الأخيرة فقط مصادرة (5906) دونم من أراضي الضفة الغربية ، فإذا توقف الاستيطان اليوم ، فسوف يجري الترتيب للبناء على هذه الأرض المصادرة فيما بعد ، حيث لم نسمع من قبل عن إعادة أراض لأصحابها.

لذلك فإن الموضوعية والانصاف والشفافية تستدعي كلها أن تعود هذه الممتلكات والأراضي إلى أصحابها الحقيقيين من الفلسطينيين قبل المطالبة بوقف الاستيطان ، ويجب ربط الأمرين معا ، فالاستيطان يبدأ من خطوة مصادرة الارض لذلك ينبغي المطالبة والزام اسرائيل بوقف كافة خطوات الاستيطان هذه.

واذا كانت اسرائيل وواشنطن قد حملتا فشل عدد من المفاوضات السابقة على الجانب الفلسطيني ، فإن حجم التصريحات والمناشدات والاعترافات بخيبة الأمل هذه المرة من إسرائيل تؤكد أنها المسؤول الأول والأخير عن فشل جولات المفاوضات التي انعقدت طيلة هذا الشهر ، وما قبلها.