تعطي الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة (ال65)، أهمية خاصة لقضية التنمية والمساعدات والسلام. ويأتي الاهتمام هذا العام، بقصد متابعة ما أنجز من أهداف الألفية للتنمية، خاصة وقد بقيت خمس سنوات فقط من عمر المشروع.
وقد طرح التساؤل: هل ستستطيع الأمم المتحدة الوفاء بالتزامها عند حلول الموعد المقصود؟
وقد أثار موضوع الألفية منذ بدايته كثيراً من الجدل، واختلف حوله المهتمون، فقد اعتبره البعض تطوراً غير مسبوق في دور الأمم المتحدة وارتقاء بغاياتها. وركز البعض داخل المنظمة على أنهم بصدد بناء قيم أساسية جديدة في العلاقات الدولية، في القرن الحادي والعشرين. وهذه القيم هي: الحرية، المساواة، التضامن، التسامح، احترام الطبيعة، وتقاسم المسؤولية.
ومن هنا جاءت فكرة تحويل هذه الشعارات إلى برنامج للألفية. ومن ناحية ثانية، هاجم آخرون المشروع باعتباره من ابتكارات النيوليبرالية والنظام العالمي الجديد، لدمج دول العالم الثالث سريعاً في الاقتصاد الرأسمالي.
ومهما كانت الدوافع، فإن تحقيق أهداف الألفية سوف يحقق تغييراً تنموياً مؤثراً في دول العالم الثالث، لا تمكن الاستهانة به أو تبخيس آثاره، ولكن الألفية ما زالت تتعثر لأسباب كثيرة، ناقشها المختصون والمستفيدون في هذه الدورة.
طرحت الألفية أهدافاً شديدة الطموح، ولكنها ضرورية كبداية انطلاق للتنمية. فقد جاء في ديباجة الأهداف:
ـ أن نخفض إلى النصف، بحلول سنة 2015، نسبة سكان العالم الذين يقل دخلهم اليومي عن دولار واحد، ونسبة سكان العالم الذين يعانون من الجوع، ونسبة السكان الذين لا يستطيعون الحصول على المياه الصالحة للشرب أو دفع ثمنها.
ـ أن نكفل، بحلول ذلك العام نفسه، أن يتمكن الأطفال في كل مكان، الذكور والإناث، من إتمام مرحلة التعليم الابتدائي، وأن يتمكن الأولاد والبنات من الالتحاق بجميع مستويات التعليم على قدم المساواة.
ـ أن ينخفض معدل وفيات الأمهات، بحلول ذلك العام نفسه، بمقدار ثلاثة أرباع، ووفيات الأطفال دون سن الخامسة بمقدار ثُلثي معدلاتهما الحالية.
ـ وقف انتشار الأمراض الخطرة والمستوطنة.
ـ تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، باعتبارهما وسيلتين فعالتين لمكافحة الفقر والجوع والمرض، ولحفز التنمية المستدامة فعلاً.
وكانت الأمم المتحدة تدرك أن تحقيق هذه الأهداف يحتاج إلى بئية جديدة في الأمم المتحدة، التي بدأت هي نفسها تشكو من الترهل والفساد وبعض الشيخوخة. وأعلنت المنظمة أن هذه الأهداف مشروطة بالعمل الجاد والدؤوب في ميادين دولية أخرى، ومن أهمها: السلم والأمن ونزع السلاح، واحترام سيادة القانون في الشؤون الدولية والوطنية. وهذا يعني تفعيل دور الأمم المتحدة وتنفيذ المعاهدات الدولية.
وقد قامت الدورة الحالية في الأيام الماضية، بمناقشة وضعية الأهداف السابقة، وتقييم الأوضاع قبل خمسة أعوام من النهاية.
لذلك، اهتم روؤساء الدورة الحالية والسابقة للجمعية العمومية والأمين العام للأمم المتحدة، باستعراض القضايا الأساسية للألفية.
واهتمت الأمم المتحدة باستصدار قرارات وتدابير تهدف إلى تسريع وتيرة التقدم في هذه الأهداف في الفترة القصيرة المتبقية، واضعين في الاعتبار التداعيات السلبية للأزمات العالمية المستجدة، بالاضافة للمشكلات الداخلية المتصاعدة.
وقد تم تنظيم عدد من الموائد المستديرة، تناولت أساساً موضوعات مثل: «مواجهة تحدي الفقر والجوع» و«المساواة بين الجنسين» و«الوفاء بأهداف الصحة والتعليم» و«تعزيز التنمية المستدامة» و«تلبية الاحتياجات الخاصة لأكثر الفئات ضعفاً» و«توسيع نطاق الشراكات وتعزيزها».
وركز المشاركون على ذكر بعض الإنجازات، مثل النجاح في تحصين ثلث أطفال الدول الفقيرة، بالاضافة إلى تطوير لقاحات جديدة، رغم أن اليونسيف ذكرت أن 22 ألف طفل يموتون يومياً، ولكنه تقدم نسبي.
وظهرت اتجاهات ناقدة تطالب بتغيير الوسائل، فقد رأى البعض أن المساعدات بطريقتها الحالية، لن تساعد على تحقيق التنمية. وبالفعل صارت المساعدات مثل تلك الموائد التي يقيمها الأغنياء للفقراء في شهر رمضان، فهي لا تلغي الفقر ولا توقف التسول.
لذلك رأى البعض أن تقدم المساعدات للدول الجادة فقط، ويقصد بها تلك التي يتوافر فيها الحكم الراشد، والقادرة على تعبئة مواردها الذاتية، وتشجيع الصادرات من هذه الدول النامية إلى الدول الصناعية.
وتؤكد الفكرة الأخيرة مسألة ربط دول العالم الثالث بالسوق الرأسمالية العالمية، ولكن هذا وضع لم يعد من الممكن تجنبه مع تزايد العولمة وسقوط الحدود بين الدول. ولم تصمد نظريات التبعية والمطالبة بالاستقلالية وفك الارتباط بين الهامش (الدول النامية) والمركز أو السوق العالمية التي تسيطر عليها الدول الامبريالية، وتراجع عدد الدول التي تدعو إلى تطبيق الاشتراكية.
وعلى الرغم من أن ذلك لا يعني نهاية التاريخ وفوز الليبرالية، فإن التجارب الفاشلة قد توحي بذلك. ففي إفريقيا، تعد الدول التي اختارت الاشتراكية من أفقر الدول، رغم أن بعضها منتج للبترول مثل أنغولا، ومن الدول الأخرى موزمبيق والتي على أبواب المجاعة، وغينيا بيساو وتنزانيا، وبالتأكيد يمكن أن يدرج بعض الدول العربية، وهي منتجة للبترول وزراعية أيضاً.
وتواجه الألفية الداء الكبير وهو الفساد، والذي هو بمثابة القرحة أو النزيف في جسم أية دولة يوجد فيها. فقد تسلمت دول العالم الثالث مساعدات وقروضاً ومنحاً، يمكن أن تحسب بالتريليونات من الدولارات، وليس بالمليارات فقط، ولكنها لم تظهر في حياة شعوبها.
وهنا جانب من مسؤولية الدول الكبرى والمجتمع الدولي، لأنهم يعرفون ما يحدث في تلك الدول، بل وتسقبل بنوك بلدانهم الأموال التي تعود مرة أخرى إلى الخارج، تحت حسابات خاصة بالحكام والمسؤولين.
ورغم حديث المجتمع المدني العالمي عن الشفافية، فإنه يكتفي بإصدار التقارير، دون أن يصحب ذلك بأية خطوات عملية على المستوى العالمي أو المحلي.
فمن المعروف أن منظمات المجتمع المدني الوطنية تخشى فتح هذا الملف في بلادها، لأن السلطات الحاكمة تعتبره بمثابة حياة أو موت، فهو يمس عصب وجود هذه النظم في السلطة، أي احتكار المال وتحصينه.
ومن المؤسف أن منظمة الأمم المتحدة وبعض وكالاتها، لا تتعامل مع هذا الملف بجدية، رغم أن الأمم المتحدة كانت قبل سنوات قد كشف كثيراً من المخالفات. والأهم من ذلك أن جزءًا كبيرًا من أموال مشروعات الأمم المتحدة يذهب إلى موظفيها، في شكل مكافآت وأتعاب ومصاريف دراسات جدوى ومرتبات عالية وامتيازات..
لذلك نخشى أن تصير الألفية ألفية حقيقية من السنوات.
كاتب سوداني
