الكثيرون، على امتداد العالم، يعكفون الآن، بمزيد من اللهفة والفضول، على قراءة كتاب «حروب أوباما» للصحافي الأميركي بوب وودوارد، الذي عود القراء في كتبه الخمسة عشرة التي سبقت هذا الكتاب على كشف الكثير من الأسرار من كواليس عمليات صنع القرارات الأكثر خطورة، في دهاليز البيت الأبيض ووزارتي الدفاع والخارجية الأميركيتين.
ربما كانت نقطة الانطلاق في الكتاب، التي سيهتم بها القارئ العربي أكثر من غيرها، هي ما ينقله وودوارد عن الجنرال ديفيد بترايوس، قائد القيادة المركزية الأميركية وقائد القوات الأميركية و«ناتو» في أفغانستان، من تأكيد على أن: «عليك أن تعترف أيضاً بأني لا أعتقد أنك ستفوز في هذه الحرب.
أعتقد أنك ستبقى تقاتل. وفي الواقع، يشبه الحال في أفغانستان الوضع داخل العراق. نعم، هناك تقدم كبير داخل العراق، ولكن لا تزال هناك هجمات مريعة، ويجب أن تبقى يقظاً، عليك البقاء بعد ذلك. هذا نوع من المعارك نحن متورطون فيه لبقية حياتنا، وربما خلال حياة أولادنا».
تلك هي الحقيقة، التي طالما حشد الكثير من الباحثين العرب المؤشرات والأدلة للفت الأنظار إليها. وها هي الآن تطرح بصراحة ووضوح لا مجال معهما للإنكار. من المهم حقاً أن نتابع ما يعلنه المسؤولون الأميركيون عن انسحاب الوحدات القتالية وسحب القوات الأميركية من العراق وأفغانستان والمواعيد المقترحة لهذه العمليات.
لكن الأكثر أهمية أن ندرك أن الاستراتيجية الأميركية في جوهرها تقضي بالبقاء في البلدين على امتداد أجيال، وطالما هناك مصالح أميركية تنتظر التحقق.
وفي غضون ذلك، يتعين أن ندرك أن الاستراتيجية الأميركية الراهنة في أفغانستان، كما يوضح وودوارد، ليست إلا نوعاً من الحل الوسط خرج به الرئيس الأميركي، في مواجهة اقتراحات القادة العسكريين الأميركيين.
الاستراتيجية الراهنة تقضي بزيادة القوات الأميركية في أفغانستان بمعدل 30 ألف جندي في المدى القصير، ضمن خطة لرفع الأيدي الأميركية عن أفغانستان والخروج منها. ويحدثنا وودوارد عن أن أوباما كان باعتماده هذه الخطة يعلن: «إنني لا أخطط لعشرة أعوام، ولا أخطط لبناء دولة على المدى الطويل، ولن أنفق تريليون دولار».
هكذا ينقل لنا وودوارد ملامح من 24 اجتماعاً سرياً حول الاستراتيجية الأميركية في أفغانستان وقرابة 40 حواراً سرياً بين أوباما ومسؤولين بارزين على مختلف المستويات.
الاستراتيجية الأميركية الحالية هي نوع من الحل الوسط خرج به الرئيس الأميركي، كما قلنا، بين أمراء العسكريين الأميركيين على زيادة قوامها 40 ألف جندي أميركي وإنفاق 889 مليار دولار خلال 10 سنوات من ناحية وجهود جو بايدن نائب الرئيس الأميركي لقصر الزيادة على 20 ألف جندي أميركي فقط.
وقد وضع الرئيس الأميركي تصوره للاستراتيجية في وثيقة من ست صفحات، ورفض جهود «بنتاغون» لإعادة مناقشة هذه الوثيقة، ورد عليها بتساؤل غاضب: «ما الذي يدفعنا إلى الاستمرار في هذه الاجتماعات؟».
ومن المؤكد أن ما يقدمه لنا بوب وودوارد من معلومات ووثائق وتقارير في كتابه مهم، ومفيد، وبحاجة إلى أكثر من قراءة نقدية.
لكن هذه القراءات جميعها ينبغي أن تنطلق من إدارك أن هذه الخلافات في الآراء والتصورات والاتجاهات في عملية صنع القرار الأميركي إنما هي جهود لخدمة المصالح الأميركية على امتداد العالم. وفي العراق، كما في أفغانستان، تنطلق هذه المصالح الأميركية من السعي إلى سحق إرادات الشعوب، ومن التلاعب بمقوماتها، وإراداتها، ومن يرد التحقق من هذا، ما عليه إلا تأمل ما فعلته القوات الأميركية في كل مكان من هذا الكوكب انطلقت إليه.
