فاجأنا رحيل الفيلسوف الجزائري محمد أركون، بعد رحيل محمد عابد الجابري ونصر حامد أبو زيد. يا لها من صدفة: ثلاثة من أعلام الفكر يغيبون الواحد بعد الآخر في مدى شهور قليلة!
وأركون الذي كان أستاذاً للإسلاميات في جامعة باريس، والذي ألف وكتب بالفرنسية، ترك هو الآخر بأعماله وسجالاته بصمته في الثقافة العربية المعاصرة، على الأقل في المجتمع الثقافي بمختلف تياراته ومعسكراته العلمانية والدينية، الحداثية والتراثية.
ولأركون مشروعه الثقافي الذي هو امتداد لمشاريع عصر النهضة، التي استهدفت التغيير تحت شعارات التقدم أو التحرّر أو التحديث للثقافة والفكر والمجتمع في العالم العربي والإسلامي.
ومن سمات هذا المشروع الذي هو مشروع نقدي، أنه نقد للعقل بالذات. وفيه لا يتركز التحليل على المضامين المعرفية، من تصورات أو مذاهب أو أطروحات، بل على المنطق الكامن وراء إنتاج المعارف، أي على أسس التفكير ومسلماته أو قواعده وآلياته.
ويتساوى أركون مع الجابري في «نقد العقل»، مع الفارق في العدّة والحقل والطريقة. فقد حصر الجابري عمله في الإطار العربي، كما في رباعيته «نقد العقل العربي». أما أركون فقد اختار الإطار الإسلامي، كما في كتابه «نحو نقد العقل الإسلامي».
وكان قد صدر بالفرنسية، ثم ترجم إلى العربية بعنوان: تاريخية الفكر العربي الإسلامي، للتخفيف من وطأته النقدية. مع الإشارة إلى أنه يعود الفضل إلى الكاتب السوري هاشم صالح في ترجمة معظم أعمال أركون إلى العربية، بصورة جيدة وشروحات قيمة.
ولم يؤثر أركون، لمشروعه النقدي، العنوان الإسلامي، لأنه أوسع وأشمل، بل لأنه لم يشأ تحييد المجال الديني من عمل الفحص العقلي والدرس العلمي. لأنه إذا كانت المرجعية الدينية الثقافية، بنصوصها ومعارفها ومؤسساتها وسلطاتها، قد لعبت الدور الأول في صناعة المجتمعات العربية، فالأولى إخضاعها للتحليل والتشريح، إذا شئنا معالجة الأزمات المتعلقة بالتأخر والتخلّف عن الركب العالمي، أو بالعجز والتبعية للغير على المستوى الحضاري.
من هنا كان تركيز أركون على نقد العقل الديني واللاهوتي، الذي يشكل في نظره أصل العلة وجذر المشكلة، سواء تعلق الأمر بالأصول أو بالفروع، بخطاب الوحي أو بتفاسيره.
وقد أفاد أركون من مواكبته للطفرة المعرفية التي شهدتها العلوم الإنسانية، في النصف الثاني من القرن العشرين، بحقولها الفكرية وآفاقها العقلية، بثوراتها المذهبية وشبكاتها المفهومية.
من هنا استخدم في استراتيجيته النقدية ترسانة نظرية متعددة الاختصاصات والمناهج، الأمر الذي أتاح له خرق أسوار «الممنوعات»، أي كل ما يحظر قوله أو الجدال فيه من جانب السلطات، كما أتاح له تفكيك الممتنعات، التي لا تأتي من سلطة الكاهن أو الطاغية، بل تتأتى من الداخل، أي تعود إلى طبيعة العقل الذي له محدوديته، بقدر ما لا ينفك عن أوهامه وأساطيره أو عن تعمياته وتشبيحاته.
مبيّناً بذلك الوجه الآخر للتاريخ الإسلامي وللثقافة العربية، أي ما تمّ حجبه أو التلاعب فيه من الحقائق والوقائع، أو ما تمّ تهميشه او التعتيم عليه من النصوص والثقافات والقوى والعوالم..
وهذه منطقة جديدة أجاد أركون الحرث فيها والحفر في طبقاتها، مستثمراً ما أنجزه مفكرو ما بعد الحداثة في الفلسفة واللغة والسيمياء والأناسة وعلم الاجتماع والتحليل النفسي..
وكانت الحصيلة، خاصة في المجال الديني، فتح ملفات مرجأة، أو زعزعة يقينيات راسخة، أو كسر سياجات مغلقة، أو تفكيك ثنائيات خانقة، أو زخرحة مشكلات مستهلكة.. كاشفاً بذلك عما يحجبه أو يصنع منه المجال القدسي والغيبي واللاهوتي والمتعالي مما هو بشري، أو دنيوي، أو تاريخي، أو خرافي، أو يومي.. الأمر أثار ضد أركون ردوداً عاصفة، من جانب شرطة العقائد وحماة الهوية والثوابت.
ومع ذلك، فالنقد التفكيكي، ليس مجرد نقض أو دحض أو هدم. فهو بمعناه الحديث والأحدث، تسليط الضوء على مكامن الخلل، بتشريح الآفات وتفكيك العوائق والمآزق، من أجل إعادة البناء والتركيب، باستبعاد ما فقد صلاحيته، واستبقاء ما يصلح للبناء عليه.
بهذا المعنى، يجترح «النقد»، الذي هو المعادل الحديث لمفهوم «الاجتهاد القديم»، إمكانيات وجودية تفتح آفاقاً وأبواباً وفرصاً للتفكير والعمل، من أجل تجديد العناوين والمفاهيم أو القيم والمعايير. ولا مهرب من ذلك، خاصة عندما تستهلك الأفكار أو يعتريها الصدأ وتفقد مصداقيتها في الفهم والتشخيص أو فاعليتها في المعالجة والتدبير..
أخلص من ذلك إلى مسألتين؛ الأولى تتعلق بما أنجزه أركون. ولا شك عندي أن من يقرأ أعماله ويطلع على تحليلاته للعقل الديني، يخرج على غير ما دخل، إذ يفوز بفهم جديد، وجدير بالاعتبار، للإسلام وللدين عموماً، ولو كنت مكانه لأدرجت مشروعي تحت عنوان: نقد العقل اللاهوتي.
ومع ذلك لا أعتقد أن أركون، كفيلسوف محلّل، قد جدّد في العدة المفهومية على غرار فلاسفة الغرب ومفكريه الذين قرأ أعمالهم. فهو أبدع في استثمار ذلك في حفرياته في الثقافة الإسلامية. من هنا سمى مشروعه «إسلاميات تطبيقية».
بالطبع هو لم يتوقف عن المطالبة بتشكيل فروع معرفية لإعادة كتابة تاريخ الإسلام، ثقافة وعقيدة ومعرفة ومجتمعاً وسياسة.. على غرار الفروع المعرفية التي تشكلت في المجتمعات الغربية، ولكن ذلك بقي مجرد اقتراحات وبرامج للعمل.
أما المسألة الثانية، فتتعلق بجدوى النقد وأثره في المجتمع، تنويراً أو تحويراً. كان أركون يبشّر بأن «زمن التحرير الكبير» آت، وكان يراه قريباً. ولكنه اعترف، قبل رحيله، بما آل إليه مشروعه من التعثر والفشل على أرض الواقع.
والدليل أن الكتلة الحداثية، بمختلف اتجاهاتها وفصائلها، هي قليلة الفاعلية قياساً على الكتلة الأصولية.
والإخفاق يعود أولاً إلى أن المجتمعات العربية، بشرائحها الواسعة، هي من أكثر المجتمعات ممانعة ومقاومة لإرادة المعرفة وعمل الفهم والتشخيص، بقدر ما تشتغل بعبادة الأصول وتقديس النصوص.
ولكن الإخفاق في مشروع التحديث يسأل عنه أيضاً الحداثيون أنفسهم، وعلى رأسهم أركون، ذلك أن مفهومهم للتنوير، الموروث عن عصر الأنوار الأوروبي، هو مفهوم طوباوي، ساذج، بل بدائي كما يقول صاحب العقل الكلي الفيلسوف بيتر سلوترديك.
لأن هذا المفهوم، الذي ينتمي الى زمن مضى يبنى، برأيي، على ثقة مفرطة بالإنسان والعقل. فمن يجرؤ اليوم أن يقول عن نفسه إنه تنويري أو عقلاني أو حر، وسط هذه الأزمات العاصفة التي تضرب في غير مكان وعلى غير صعيد!
في ختام هذه الكلمة، التي هي تحية لأركون، لا أقول إن غيابه ترك فراغاً على ساحة الفكر. فهو إذ رحل عن عالمنا، فإن مؤلفاته التي فتحت آفاقاً خصبة للتفكير، باقية، ما دام هناك قراء يشتغلون عليها، بقراءاتهم المثمرة والفعالة. فالنصوص القوية تخترق من يعارضونها، بقدر ما تتعدى أصحابها باحتمالاتها المفتوحة وإمكاناتها الغنية.
كاتب ومفكر لبناني
