تتغير العصور، الحضارات، ومراكز القوى في العالم، وتاليا تتغير أساليب الحوار بين الأمم، بما أنه وسيلة الاتصال الوحيدة التي تميز الآدمي عن غيره من الأحياء.

ولا ننكر أن البشر اهتموا بهذه الوسيلة عبر إرساء قواعد ومقومات، لتعطي نتائج تفيد الجميع أو جلهم. فإن اختلت مقومات الحوار اختلت نتائجه وانزاحت نحو الإملاء أو «الطرشان»، لينسحب الحوار برمته مفسحا المجال لوسيلة اتصال أخرى تطل من فوهات البنادق بعد النصال.

وفي عصرنا الحديث، غزت قواميس الدبلوماسية مصطلحات عدة، أبرزها صراع الحضارات، وهو ما انعكس في أساليب الحوار بين هذه الحضارات، فأطلق جورج بوش الابن ومن قبله الأب، حربين في العراق وأفغانستان، ومن قبلهما بقليل كان بيل كلينتون يؤسس لحرب العراق، بعدما قاد تحالفا دوليا دك يوغسلافيا.

والنتيجة كانت كارثية من دون مواربة، وتمخضت عن أزمة اقتصادية غير مسبوقة العواقب والتبعات، فضلا عن تناسل الصراعات العرقية والطائفية على امتداد البسيطة.

هذا التأزم وضع الضمير العالمي أمام السؤال البدائي: ما الفائدة من هذا التطور المذهل في عجلة التاريخ، وتحقيق إنجازات علمية تفوق الخيال، وفي مقدمها وسائل الاتصالات التكنولوجية (حتى غدا العالم قرية صغيرة)، بينما أهمل الآدمي وسيلة اتصاله الأولى:

الحوار، تاركا لوحشية الغابات أن تزرع بذورها الشرسة في غريزة القتل، لا من أجل البقاء، بل للهيمنة والتسيد وغيرها من مفاهيم لم تمسس الإنسان سوى برائحة الدم!

صحيح أن وراء كل صراع تكمن «المشكلة الاقتصادية»، التي هي في تعريفها العلمي تنجم عن محدودية الموارد الأرضية ولا محدودية الحاجات الإنسانية، لكن ما فائدة النظم جميعها التي ابتدعها الإنسان لتنظيم حياته وأنسنة النسغ الوحشي في بنيانه البيولوجي؟

هذه الحقبة من صراع الحضارات أرقتها جميعها ومن دون استثناء، فكان استقبال بني البشر لباراك أوباما، رائد شعار تغيير الاتجاه، غير عادي وبقدر حاجة الأمم للتخلص من هذا التوتر والشد المتواصلين، ابتغاء لمرحلة استرخاء، جوهرها الحوار الهادئ بين الحضارات، وهو ما عنونته الحقبة الحالية بـ «حوار الحضارات».

على أنه لا بد من العودة إلى مقومات الحوار، لضمان عدم تحوله مجددا إلى قوي يملي ما يريد بالكلمات على الطرف الآخر الضعيف، أو بالتعبير العامي «صفعة مصحوبة بتعديل طاقية متلقيها» إن مالت لهول الصفعة.

وهذا تحديدا ما يجب أن يسعى له المحتاج للحوار، أو الطرف الضعيف، فالحوار بحد ذاته لا يجدي نفعا إن لم تتوفر له مقومات تضمن ولو حدا بسيطا من الندية والبحث المشترك عن إجابات لأسئلة الحوار، تصب في صالح سكان الأرض.

بعدما ثبتت لا جدوى «حوار الفوهات» عبر أكثر من حرب، وركن العالم مستجديا حوار الحضارات، لم يحدث ذلك منة من القوي، بل لأنه والضعيف انحشرا في حفرة الأزمة العالمية الشاملة، من المال إلى القيم، وتاليا لا بد من اعتراف الطرفين أن المصلحة المشتركة هي جل مقومات الحوار وإطاره.

هل يحدث ذلك حقا؟ لا أبداً، بل إن كل لقاءات وفود العالم الثالث مع العالم الأول، لا تتعدى محاولة تلميع صورة الأول في ذهنية الثالث، وبقيت الصرخة «النامية» تدور بلا آذان في فضاء العالم المتقدم: رجاء استمعوا لنا!

Adonis02@hotmail.com