أتابع، منذ سنوات، الحوارات التي تبثها قناة «المستقلة» حول التعريف بالإسلام والتقريب بين المذاهب الإسلامية، بغية ردم الهوة بين أبناء الدين الواحد والتخفيف من الاحتقان الذي يزداد حدة يوماً بعد يوم.
ويكاد يتحول إلى صدام لن يكون فيه، لو حدث لا قدر الله، منتصر ولا مهزوم، لأن الجميع سيكونون عندئذٍ خاسرين، أما الخاسر الأكبر فهو، دون شك، الأمة الإسلامية التي تزداد تشرذماً وفرقة، بأيدي الآخرين حيناً، وبأيدي أبنائها في أكثر الأحيان، كما رأينا عبر مراحل كثيرة من التاريخ، وكما نخشى أن يحدث اليوم ونحن نرى الكثير من الشواهد والمقدمات التي ستقود إلى أسوأ النتائج.
ما يثير الدهشة عند الاستماع إلى هذه الحوارات التي تجريها قناة «المستقلة»، وآخرها السلسلة التي بثت في شهر رمضان الماضي، ليس الخلاف بين أهل المذاهب المختلفة.
وإنما الخلافات بين أتباع المذهب الواحد الذين تتباين آراؤهم حول مسائل جوهرية وأخرى غير جوهرية، إلى الحد الذي نشعر معه بأننا بحاجة إلى التوفيق بين أتباع كل مذهب، قبل السعي إلى التوفيق بين أهل هذه المذاهب المختلفة، وبأننا نحتاج إلى أكثر من حوار للوصول إلى صيغة توافقية تجمعنا مرة أخرى تحت راية الدين الذي أكمله الله لنا ورضيه، قبل أن يتركنا الرسول صلى الله عليه وسلم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، كما قال عليه الصلاة والسلام.
ما تقوم به قناة «المستقلة»، مستغلةً تكنولوجيا الفضاء، جهد مشكور يذكرنا بالجهود التي بذلها عدد من علماء السنة والشيعة لرأب هذا الصدع الذي ظل جرحاً نازفاً، منذ الفتنة الكبرى التي بدأت بمقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه وحتى عصرنا هذا، مثلما نعتقد أن كثيراً من التشويه قد شاب الصورة التي نُقِلت إلينا عن تلك الفترة التي ذهب أطرافها إلى بارئهم، ولم يعد من المناسب أن تتحمل الأمة على مدى 14 قرناً نتائجها وتداعياتها.
نذكر في هذا المقام ما قام به عدد من علماء السنة والشيعة في محاولة للتقريب بين المسلمين، عندما أسسوا «دار التقريب بين المذاهب الإسلامية» في القاهرة عام 1947.
وكان أبرز هؤلاء العلماء الشيخ محمد تقي القمي، مبعوث السيد البروجردي، مرجع الشيعة في عصره، والشيخ محمود شلتوت، شيخ الجامع الأزهر وقتها، الذي وصف انطلاقة «دار التقريب» بقوله: «لقد كان الجو السائد عند بدء الدعوة مليئاً بالطعون والتهم، مشحوناً بالافتراءات وأسباب القطيعة وسوء الظن من كل فريق بالآخر..
حتى عُدَّ تكوُّن الجماعة بأعضائها من المذاهب المختلفة، السنية الأربعة والإمامية والزيدية، نصراً مبيناً أهاج نفوس الحاقدين، وهوجمت الدعوة، لا من فريق واحد، بل من المتعصبين أو المتزمتين من كلا الطرفين: السني الذي يرى أن التقريب يريد أن يجعل من السنيين شيعة، والشيعي الذي يرى أننا نريد أن نجعل منهم سنيين».
ورغم صعوبة المهمة، فقد بذل مؤسسو الدار جهوداً مضنية تكللت بوضع اللبنات الأساسية للتقريب الحقيقي والواقعي بين المذاهب الإسلامية المختلفة، ووضعوا أيديهم على الأسباب المتعددة التي بُني عليها الخلاف بين المذاهب والفرق، وتمكنوا من تصنيف هذه الاختلافات، من حيث أهميتها العلمية والملابسات التاريخية والسياسية والاجتماعية والدينية.
وأصدرت الدار مجلة سمّتها «رسالة الإسلام»، صدر العدد الأول منها عام 1949، وكتب فيها عدد كبير من علماء الشيعة ومراجعهم الكبار في النجف وقم، أمثال الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والسيد هبة الدين الشهرستاني، والمرجع الكبير السيد حسين البروجردي.
كما كتب فيها شيخا الأزهر الكبيران؛ الشيخ عبد المجيد سليم، والشيخ محمود شلتوت، وجمع من علماء الأزهر أمثال الشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ محمد محمد المدني، والشيخ عبدالعزيز عيسى، وكبار كتاب ذلك العصر أمثال أحمد أمين، وعباس محمود العقاد، ومحمد فريد وجدي، وغيرهم.
وقد صدر من المجلة 60 عدداً قبل أن تتوقف عام 1972، ثم أدت بعض الأحداث والتدخلات إلى تعطيل الدار وعملها عام 1979، لتخسر الأمة جهودها، وينتكس حال التقريب بين المذاهب الإسلامية مرة أخرى، مثلما اعتدنا في كل الأمور عبر مراحل تاريخنا المختلفة.
نستحضر هذين النموذجين من جهود ومحاولات التقريب بين المذاهب الإسلامية، ونحن نعيش أجواء فتنة طائفية في عالمنا العربي والإسلامي، فتنة تمزق العراق منذ سنوات، ثم ها هي تكاد تعصف بأمن دولتين خليجيتين شقيقتين، وتوشك أن تمتد إلى بقية دول الخليج الآمنة المطمئنة.
ويحق لنا هنا أن نتساءل: ترى من الذي زرع بذور هذه الفتنة، ومن الذي يغذيها، ومن هو المستفيد الأكبر من زعزعة أمن مجتمعات هذه الدول التي عاشت متفقة متآلفة، لا ينغص عيشها ولا يخل بأمنها تعدد مذاهب أبنائها؟ كما يحق لنا أن نستغرب من إثارة هذه النعرات الآن وإعادتنا إلى خلافات تاريخية عفا عليها الزمن، ليس من المصلحة بعثها من جديد في توقيت وظرف يتطلبان منا جميعاً، سنة وشيعة، أن نكون يداً واحدة وبنياناً مرصوصاً لمواجهة الأطماع التي تتربص بنا من كل صوب.
{دعوها فإنها منتنة} قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما تشاجر رجلان من المهاجرين والأنصار فنادى المهاجر «يا للمهاجرين» ونادى الأنصاري «يا للأنصار»، وسماها الرسول صلى الله عليه وسلم {دعوى جاهلية}.
ألسنا أحوج ما نكون اليوم إلى ترك نبش القبور؟ ألا يجدر بنا أن نترك استدعاء خلافات أصبحت جزءاً من التاريخ؟ ألا يجدر بنا أن نطوي تلك الصفحات السود منه ونبدأ صفحة جديدة لا تشدها إلى الوراء خلافات الماضي، ولا تمزقها صراعات الحاضر؟ ألا يجدر بنا أن نعود إلى الإسلام الذي يتسع للجميع، على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم وأصولهم وعرقياتهم؟ وأخيراً.. ألا يجدر بنا أن نستمع إلى الأصوات العاقلة المتزنة، وأن ندع أولئك الزاعقين المتشنجين الممزقين للأمة الذين يشدوننا إلى الماضي؟
نعم، يجدر بنا ذلك، لأننا إن بقينا رهينة للماضي خسرنا الحاضر والمستقبل معاً.
كاتب إماراتي
