الثلاثاء الماضي، كنت أستمع إلى إذاعة ال«بي بي سي» وهي تدير حواراً مع المستمعين، حول «تلاعب» صحيفة «الأهرام» المصرية بصور الرئيس مبارك في قمة شرم الشيخ، وقد غلبت على المداخلات تلك النبرة الغاضبة الميالة لجلد الذات.
إن ما قامت به «الأهرام» خطأ مهني، بل سقطة مهنية لا تجوز ولا تليق بصحيفة عريقة هي أولى الصحف العربية، والدافع الدعائي كان واضحاً. وأحسب أن الاعتذار الذي قدمته الصحيفة يستحق التنويه والإشادة، لأنه يرسي تقاليد جديدة لا تزال مفتقدة بشدة لدينا. لقد انتقد المتداخلون وبمرارة الصحافة العربية والإعلام العربي عموماً، وهيمنة الحكومات عليه وافتقاده للمهنية والاستقلالية ومنحاه الدعائي.
وفيما راح المتداخلون من الصحافيين والإعلاميين يتجادلون حول ما إذا كان التلاعب أو التدخل في الصور أمراً مباحاً وفي أي حدود وضمن أي ضوابط، راح ذهني يستعيد سؤالاً لطالما تردد منذ سنوات طويلة: هل هناك صحافة مستقلة حقاً؟ ما هو مفهوم الاستقلالية لدى الصحف؟
طيلة 29 عاماً من العمل في الصحافة، لم أجد سؤالاً صعباً مثل هذا، فالاستقلالية تكاد أن تكون أمراً نادراً في الصحافة، والامتحان يبدأ لحظة أن يقرر المحرر اختيار خبر ما وغض الطرف عن خبر آخر. هذه عملية يعرفها محررو الأخبار جيداً وتمثل امتحاناً يومياً لهم.
لكنني وجدت ذاكرتي تأخذني إلى مكان آخر لأتساءل: إذا كانت الصحف العربية مطعوناً في استقلاليتها، فهل تجلس الصحافة الغربية على تلة أخلاقية عالية من الاستقلالية والموضوعية؟
إن في الأمر مفارقات جلية، فالصحف الغربية والإعلام الغربي الذي يشار إليه دوماً باعتباره موضوعياً ومستقلاً، لم يسلم من عيوب الاستقلالية هذه التي يرمي بها الصحافة العربية، بل وصحافة العالم بأسره.
خذوا ال«بي بي سي» نفسها، فهي ما زالت بالنسبة لي وللكثيرين، مصدراً أساسياً للأخبار والمعلومات والتحليلات أيضاً، والسمعة التي اكتسبتها طيلة عقود باعتبارها مصدراً مستقلاً للأخبار، ما زالت قوية.
لكن ال«بي بي سي» نفسها ارتكبت نفس السقطة قبل أعوام، عندما عممت على مراسليها في فلسطين تطلب منهم عدم الإشارة إلى الضحايا الفلسطينيين على أنهم قتلوا نتيجة نيران إسرائيلية، بل سقطوا في «تبادل للنيران». لقد كانت فضيحة نموذجية، واقعة لم يتذكرها أحد من المتداخلين في ذلك البرنامج الحواري، وبالتأكيد لم يشأ أي من مذيعي المحطة أن يتذكرها ولو على سبيل المقارنة والتذكير.
بالتأكيد، لا يمكن مقارنة التلاعب المقصود بالصور مع تعميم من إدارة المحطة للمراسلين باعتماد صيغة معينة للتعبير عن سقوط الضحايا، والمبررات التي يمكن أن تطرح هنا عديدة، ليس أقلها أن المراسل أو المحطة ليست متأكدة (وربما ليست معنية) من هو الطرف الذي أطلق النار!
هكذا، فإن عبارة «تبادل للنيران» بقدر ما تبدو محايدة، فإنها من جانب آخر تبدو عبارة تخفيفية لثقل مسؤولية من يتحمل قتل الضحايا، أو حتى إشارة إلى أن سقوط الضحايا كان عرضياً، ولربما بنيران صديقة!
لكن التلاعب يأخذ أشكالاً أخرى في الإعلام الغربي عموماً، حتى في الصور والأفلام. ليس عليكم سوى إدارة محطات التلفزة الأميركية واستعراض أرشيفها المصور، وهي تعرض لتقاريرها عن ما يجري في فلسطين. فهذه المحطات لا تعرض أبداً الضحايا الفلسطينيين ولا صور القتل والبشاعة التي يتعرض لها المدنيون الفلسطينيون من قبل الجيش الإسرائيلي.
وإن شاءت أن تعرض صوراً ما، فهي لا تعرض سوى مشاهد لمجندين إسرائيليين ينتحبون أثناء مراسم دفن جندي زميل لهم. ولعلكم تذكرون كيف أن محطة «سي ان ان» قدمت درساً في التلاعب بالصور، عندما عرضت في 11 سبتمبر 2001 لقطات أرشيفية قديمة تعود للعام 1991، لفلسطينيين يحتفلون بسقوط صواريخ سكود عراقية على إسرائيل، وقدمتها (بكل موضوعية!) على أنها لقطات لفلسطينيين يحتفلون بسقوط البرجين. رغم هذا، لم تقدم المحطة أي اعتذار عندما كشفت فطنة مشاهد عربي تلك الفضيحة.
هل نتحدث عن محطة «فوكس نيوز»؟ الأميركيون أنفسهم يتندرون على تلك المحطة وانحيازها الفاضح، والتضليل الذي تمارسه على طريقة بول جوزيف غوبلز. وما دمنا تذكرنا غوبلز، فعلينا أن نحيي ذكاءه مجدداً، فقواعد الدعاية التي وضعها لا تزال حية في الغرب والشرق، الفارق هو مدى الحذاقة في تطبيق هذه القواعد، والذكاء في استخدامها دون فجاجة.
ماذا عن الصحف؟ لا يكمن الأمر في التلاعب بالصور غالباً، بل في اختيار الصور والموضوعات التي تنشرها، كلما تعلق الأمر بالعرب وبالفلسطينيين والإسرائيليين على وجه الخصوص.
لا يتعلق الأمر بالشكوى المريرة من الانحياز الفاضح أحياناً للصحافيين الغربيين، بل إن جانباً آخر لانعدام الاستقلالية يكمن في «التنميط» الذي يتعاملون به مع قضايا المنطقة.
لقد قابلت المئات من الصحافيين الغربيين طيلة أكثر من عقدين، وقليل منهم من يتسم بموضوعية تدفعه لمحاولة فهم الأمور بعيداً عن التنميط (َُّّمْمُُّ؟ِيَه). فهم يأتون إلى المنطقة وأذهانهم مبرمجة بصور نمطية تحد من قدرتهم على رؤية الأمور كما هي، بل وتجعلهم يبحثون فقط عن إجابات بعينها على مقاس هذه الصور النمطية.
هكذا، يستوي التلاعب في الصور مع حجب صور فظائع إسرائيل ضد الفلسطينيين، وإذا كان ما قامت به «الأهرام» دافعه دعاية سياسية محضة، فإن ما تقوم به الصحف الأميركية والغربية منذ عقود طويلة، من حجب لصور معاناة الفلسطينيين والتلاعب في أفلام الأرشيف خدمة لأغراض دعائية، يكشف عن ضمير ميت أساساً لصحافة تمجد الجلاد على حساب الضحية، وتمارس الاستخفاف بمعاناة شعب بأكمله من احتلال أدانه العالم منذ زمن طويل ولا يزال..
تحابي البلطجي الذي يعربد في الشرق الأوسط منذ عقود طويلة، آخرها قبل شهور خلت عندما هاجم سفناً تحمل ناشطين ومساعدات لشعب جائع تحت الحصار، وقتل بدم بارد مدنيين عزلاً، على المنوال نفسه الذي يقتل به الفلسطينيون ولا تجد صور الضحايا طريقها إلى الصحف الغربية!!
كاتب وصحافي بحريني
