ثلاثة أيام من المشاورات والخطب والكلمات التي ألقاها قادة العالم أمام الأمم المتحدة في قمة الألفية من أجل أهداف التنمية، عرت بجلاء الإخفاق في تحقيق خطة محاربة أمراض الفقر، وتشجيع التعليم والمساواة بين الجنسين وصحة الام ومكافحة وفاة الأطفال والايدز والملاريا والحفاظ على البيئة، وهي الخطة التي وضعت قبل عشر سنوات ويفترض ان تكتمل بحلول عام 2015.
وبعد عشر سنوات يقر الأمين العالم للأمم المتحدة بان كي مون ان بعض من تلك الأهداف يصعب الوصول إليه، في ظل تخلي الدول الكبرى عن الوفاء بتعهداتها في تقديم المساعدات للدول الفقيرة التي تأخذ كالعادة من طرف اللسان حلاوة في مثل هذه القمم الدولية من دون ان تلمس أية مصداقية على ارض الواقع.
نعم هناك تبعات على الدول الفقيرة للخروج من حالة الفقر المدقع التي تعانيها شعوبها، عبر حسن ادارة مواردها، ومكافحة الفساد الذي ينخر في أسس بعض الأنظمة، لكن هناك في المقابل تبعات على الدول الغنية،التي كانت بعض سياساتها عاملا مساعدا أيضاً على اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء.
وإذا كانت دعوة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الدول الفقيرة إلى أن لا تتكل إلى ما لا نهاية على المساعدات، صحيحة في احد جوانبها إلا أن السؤال وأين تلك المساعدات التي لم تصل بالأساس إلى من وعدوا بها في السنوات العشر الماضية.
لا يكفي أن تطالب الدول الكبرى التي تتركز فيها جل ثروات العالم، الفقراء بالشفافية والعمل على تحقيق أهداف الألفية من اجل التنمية، فيما بعض السياسات التي تتخذها تلك الدول تكرس واقعا يصعب الفكاك منه، وتجعل من تلك الأهداف مجرد واجبات مدرسية للحفظ والتلقين لا أكثر.
فقد اختارت بعض الدول الغنية الهروب من تعهدات قطعتها على نفسها للمساعدة على محاربة الفقر والمرض، وزيادة رقعة التنمية في البلدان الأشد عوزا، وأخذت تتعلل بالأزمة المالية، للتنصل من كل الوعود، وهو ما كان محل انتقاد الأمين العام للأمم المتحدة وعدد من القادة، الذين رأوا في الأمر تعقيدا لقضية، هي بالأساس معقدة.
تحقيق الأهداف التنموية تحتاج إلى أكثر من 120 مليار دولار في السنوات الخمس المقبلة، لكن الرقم ربما لا يصل إلى النصف فقد اكتفى بان كي بالإعلان عن برنامج بقيمة 40 مليار دولار لصحة النساء والأطفال في العالم، ستقدمها حكومات وجمعيات خيرية ومجموعات من القطاع الخاص.
الرئيس الأميركي باراك اوباما الذي تحدث أمام القمة، اختار ان يقدم استراتيجية جديدة لتحقيق أهداف التنمية، عبر مساعدة الدول التي تنتقل من الحرب إلى السلام ومن السلطوية إلى الديمقراطية، فالمعونات الخيرية ولى زمانها، وتطبيق المعايير الأميركية على تقديم المساعدات، سيكون صارما، بغض النظر عن المناطق الأشد احتياجا لتلك المساعدات.
اختيار اوباما وضع شروطا لتقديم المساعدات لم يمنع العديد من القادة من اتهام الدول الغنية بعدم الوفاء بوعودها بتقديم مساعدات، وبين هؤلاء كان رئيس الوزراء الصيني وين جياباو الذي قال إن على الدول الكبرى أن تحترم التزاماتها بحسن نية وتحمل مسؤولياتها في مساعدة الدول النامية وزيادة شق المساعدة العامة على التنمية لديها في أسرع وقت ممكن.
بقي ان السنوات الخمس المتبقية لتحقيق أهداف الألفية من اجل التنمية، هي بالمعيار الزمني قليلة جدا، لمكافحة أمراض الفقر وضمان التعليم الابتدائي للجميع وتشجيع مساواة الجنسين وخفض وفيات الأطفال وباقي أهداف الخطة، لكن دعونا نضف إليها خمس سنوات أخرى شريطة ان تكون الدول الكبرى جادة في مسعاها لمساعدة الفقراء على تجاوز مشاكلهم.وحتى لا تتحول القمة الأخيرة إلى مجرد مسرحية مكلفة لم تقدم شيئا، على حد وصف المنتقدين.