في الإمارات، كما في غيرها من المجتمعات توجد تيارات فكرية واتجاهات رأي معينة تؤثر سلباً على طريقة التفكير العام وتحوله لصالحها. فمما لا يختلف عليه اثنان أن الفكر العام يلعب دوراً مهماً في تشكيل ردة الفعل المجتمعي تجاه القضايا العامة والأحداث المؤثرة التي قد تطال المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

لذا فإن أي ردة فعل اجتماعي غير مدروس أو متهور قد تأخذ منحنى خطيراً إذا ما أثرت فيها تلك التيارات الفكرية بطريقة خاطئة أو مدفوعة بأجندة معينة.

أهمية الفكر الاجتماعي تنبع من حقيقة أنه ليس فقط مؤثراً في صنع القرار العام بل لأنه يعد مؤشراً يدلنا على الطريقة التي يفكر بها أفراد المجتمع ويتفاعلون مع قضاياه. فهو الذي يفسر الأحداث سلباً وإيجاباً، إما في صورة حقيقية وقريبة من الواقع وإما في صورة دراماتيكية مقدماً أسباب وتفسيرات غير منطقية وربما غير واقعية لذلك الحدث أحياناً بصورة ساذجة قد تؤثر سلباً على أمن المجتمع واستقراره ومحدثاً أحياناً بلبلة مجتمعية يدفع ثمنها الكثيرون.

وقد ظهر ذلك جلياً أبان الأزمة الاقتصادية التي حلت بالعالم وبنا وما رافقها من أحداث ومتغيرات وتأثيرات سلبية طالت كل شيء.

كما يلاحظ أيضاً أثناء الأحداث الطارئة والأزمات والمواقف الصعبة التي تحدث عندنا. الذهنية المجتمعية هذه وطريقة التفكير تتطلب منا وقفة لندرسها جيداً ونستخلص منها دروس مفيدة حتى نستطيع تقييم المشهد المحلي العام وتوقع ردة فعله وتقيم إحساسه بالمسؤولية تجاه القضايا العامة.

من أكثر الأنماط الفكرية انتشاراً وشيوعاً لدينا، وفي المجتمعات الشرقية عموماً، تلك التي ترجح على الدوام نظريات المؤامرة. وطريقة التفكير هذه تلعب دوراً كبيراً في إلقاء اللوم على ما حدث على الآخر وترجح احتمالية المؤامرة مع التقليل من شأن كافة الأسباب المنطقية والعقلية؟

وذلك لأن هذه النوعية من التفكير ترفض تحمل المسؤولية الذاتية وتلقيها على عاتق الغير الذي تعتقد أنه المسؤول الأول والأخير عن كافة الأخطاء المرتكبة. هذه النوعية تستبق الأحداث دوماً وتلقي اللوم بكامله على الآخرين مفضلة أن تلعب على الدوام دور الضحية. هذا النوع من التفكير موجود في مجتمعنا والتعامل معه غاية في الصعوبة لأنه يعتقد على الدوام أنه المصيب وأن الآخر هو المخطئ.

ولذا فان توفير الأدلة الجازمة هو الشيء الوحيد الذي قد يقنعه. أصحاب هذا الاتجاه إيمانهم بالقضايا المجتمعية وأهمية المشاركة فيها قليل لأنهم يركزون على الدوام على قضاياهم الخاصة دون العامة ويلقون بعبء المسؤولية على غيرهم مفضلين البقاء بعيداً والاعتماد فقط على توجيه النقد واللوم.

من طرائق التفكير المجتمعية الأخرى تلك التي تفضل على الدوام أن تلعب دور الخير والابتعاد عن دور الشر ليس لأن دور الشر سيء ولكن لأن دور الخير سلبي ولا يحتاج إلى تبريرات وتفسيرات.

وهذا الدور على الرغم من أنه دور سلمي إلا أنه يعود على الاتكالية والسلبية تجاه قضايا المجتمع؟ حيث يفضل الفرد أن يتحمل طوعاً وعلى الدوام نتيجة أخطاء الآخرين دون أن يتخذ خطوة إيجابية في سبيل إزاحة الضرر عن نفسه أو محيطه.

هذا النوع من التفكير موجود بكثرة في مجتمعنا وقد يربط البعض بينه وبين الدين على الرغم من أن الدين يحثنا على الانتباه واليقظة والتفاعل الحي والنشط مع قضايا المجتمع دون التفريط في الحقوق الفردية.

وعلى الرغم من أن أصحاب هذا التيار قد يكونون نشطاء في المجالات الإنسانية التي تحتاج إلى عطاء مادي إلا أن تجاوبهم وانخراطهم مع قضايا المجتمع الحيوية وتلك التي تحتاج إلى رأي قد يكون محدوداً للغاية لأنهم لا يفضلون المجازفة.

من طرائق التفكير الأخرى السائدة تلك المتشائمة والتي تنظر على الدوام إلى العالم وقضاياه من خلال منظار أسود قاتم. فهي لا ترى في الحدث إلا الجانب المظلم أو السيئ منه.

فما أن يحدث حدث ما حتى تجد هذا الفرد وقد فسره بطريقة فيها الكثير من الكوارث والغيوم السوداء التي في إمكانها أن تحجب الرؤية الحقيقية وان تحول دون إيجاد مخارج للكثير من الأزمات الطارئة والأحداث السهلة. ففي إمكان أصحاب هذا النوع من التفكير أن يحولوا كل سحابة صيف بسيطة إلى سحابة سوداء ممطرة.

هذا النوع من الناس يعرض عن المساهمة أو الانخراط الجدي في القضايا العامة لأنه إما يخشى الفشل وإما لأنه يرى في ذلك مضيعة للوقت والجهد. كما أنه لا يرى في المساهمة في النشاط العام أو الانخراط فيه قيمة أو لذة معنوية، لذا فتجده على الدوام مقاوماً لأي محاولة لتغير نمط تفكيره أو إقناعه بعكس ذلك.

من طرائق التفكير الأخرى المنتشرة تلك العقلية السطحية التي لا تنفذ إلى العمق وهي في نظرتها للحياة أو لقضايا المجتمع تتعامل معها بكل استخفاف ولا مبالاة. فيتساوى لديها الفرح والحزن والجد والهزل.

وهذه النوعية غير مرتبطة بطبقة أو ثقافة بعينها فهي موجودة بين مختلف الطبقات والثقافات. تجاوب هذه الفئة مع قضايا المجتمع محدود للغاية ولا يخرج عن نطاق محيطها الضيق.

ولكن وجود مثل هذه الأنماط الفكرية لا يلغي أو ينفى وجود تيار ذو تفكير منتظم وسليم يؤمن بأن المساهمة الاجتماعية هي واجب وطني وعلاقة تفاعلية فيها الكثير من الصحة النفسية وبالتالي نجد هذه الفئة مسكونة بالهم الاجتماعي، وذات إحساس قوى بالمسؤولية العامة، ولذا يمكن الاعتماد عليها ليس فقط في المساهمة في القضايا المجتمعية بفعالية ولكن في تغير ونشر الوعي السليم بهذه القضايا.

البعض يعتبر وجود كل هذه الأنماط الفكرية حالة صحية فلا وجود في واقع الأمر للمجتمع المثالي الخالي من المثالب والعيوب. لكن ذلك يجعلنا أمام حقيقة وهي توقع ردة فعل كل تيار إبان الأزمات والطوارئ. فلا موقف يجب أن يبقى دون استعداد كاف سواء نفسياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً. فالكثير من الفوضى تحدث حينما نؤخذ على غرة ومن غير توقع.

جامعة الإمارات

atimaalsaayegh@hotmail.com