لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً من الرئيس الأفغاني حامد قرضاي حتى ينسى أحدث وعوده باجتثاث الفساد، ففي يونيو الماضي وعد «بتذليل كل العقبات» أمام محاكمة مرتكبيه، وبعدها قامت هيئتان لمكافحة الفساد في كابول بالقبض على عدد من المشتبه بهم، ومنهم أحد المسؤولين المقربين من قرضاي بتهمة الكسب غير المشروع، ليصبح قرضاي نفسه بهذا إحدى أهم تلك العقبات، التي تعيق عمل مؤسسات مكافحة الفساد في أفغانستان.

تدخل قرضاي بعمل هاتين الهيئتين أخيراً، وبإيحاء منه أمر المدعي العام الأفغاني، الذي وقع على مذكرات القبض على المشتبهين، بإطلاق سراح هذا المسؤول دون قيد أو شرط، كما اتهم قرضاي الهيئتين بانتهاكهما لحقوق الإنسان والقانون الأفغاني، وأنهما تعملان وفقاً لأجندات غربية، وذكر ناطق رسمي أن الرئيس الأفغاني سوف يصدر قوانين جديدة تهمش عملهما.

قد تكون هذه عقبة كبيرة في وجه قرضاي، ووأداً لمصداقيته الممزقة أصلاً في الداخل وفي الولايات المتحدة، التي تبحث عن شريك يتمتع بالحد الأدنى من المصداقية، فلا تكاد تجده في شخص قرضاي، ويظهر تقرير نشرته أخيراً جريدة «تايمز» البريطانية أن محمد ضياء صالحي، المسؤول الأفغاني المقرب من قرضاي والذي تم إطلاق سراحه، يعمل لصالح المخابرات الأميركية، وهذا يكشف مرة أخرى مدى تعقيد تلك الحرب.

يعد صالحي أحد كبار مستشاري قرضاي في مجال الأمن القومي، واعتقل، في نهاية يوليو الماضي، بتهمة تحصيل رشاوي للمساعدة في إيقاف التحقيق في قضية «الأنصاري الجديد»، وهي مؤسسة مالية مقرها كابول، يشتبه في أنها تساهم في نقل مليارات الدولارات خارج كابول.

أما هيئتا مكافح الفساد، وهما «وحدة التحقيقات الحساسة» و«قوة مكافحة الجرائم الكبرى» فقد أسستهما الحكومة الأفغانية العام الماضي بتشجيع ودعم من أميركا، وهما هيئتان مستقلتان، وتتمتعان بصلاحيات كبيرة في القبض على المشتبه بهم، والتحقيق معهم، كما أنهما تتلقيان دعماً تقنياً من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي وإدارة مكافحة المخدرات الأميركية.

ينبغي على الأفغان، في نهاية المطاف، أن يديروا شؤونهم بأنفسهم، لكن، في الوقت الحاضر، فإن الدعم الأميركي لا غنى عنه في مكافحة الفساد المتفشي في أوصال المجتمع، وفيما يتعلق بقضية صالحي فقد أعلن قرضاي أن محاكمته ستتم بشكل طبيعي، غير أن تدخله في القضية يثير الكثير من الشك، حتى أن الكثير من المواطنين الأفغان والمراقبين على امتداد العالم شعروا بخيبة أمل كبيرة، وهم يقرأون التقارير، التي تشير إلى أن صالحي قد عاد للعمل مجدداً في القصر الرئاسي، وكأن شيئاً لم يكن.

ينبغي تنظيم التعاقدات الحكومية الأميركية الأفغانية وجعلها أكثر شفافية، كما ينبغي أن يتم دعم المؤسسات الأفغانية وتقوية دورها في المجتمع، ويتعين تدقيق البرامج المختلفة وغربلتها، والأهم من هذا كله أن يتم دعم القادة الذين يحثون على الحوكمة الرصينة، ويضعون مصلحة أفغانستان فوق مصالحهم الذاتية، حيث ينبغي لهؤلاء أن يكون لهم وجود في كل درجات الحكومة الأفغانية.

سيستغرق هذا وقتاً طويلاً، خاصة مع استمرار قرضاي بالتغطية على جرائم حلفائه السياسيين وأقاربه أو إنكارها، فعليه التزام الحذر الشديد هنا تحديداً، لأن الأميركيين ضاقوا ذرعاً بممارساته، ولا يميلون لاعتباره شريكاً، كما أن الكونغرس يهدد بوقف الدعم، والأهم من كل هذا أن الشعب الأفغاني يرى أن حكومته فاسدة، ولا يمكن الاعتماد عليها، وما لم يتغير كل هذا، فلن يكون هناك أمل تقريباً في ردع طالبان.

صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية