سيبدأ غداً الاثنين بيع كتاب بوب وودوارد الجديد «حروب أوباما» الذي استطاع أن يثير زوبعة كبيرة حتى قبل وصوله إلى الأسواق.

أهمية الكتاب تنبع من: أولاً مؤلف الكتاب وودوارد الذي يُعتبر بحق صحافي وكاتب متميز والدليل على ذلك أن جميع كتبه الخمسة عشرة الصادرة له قبل كتابه الجديد «حروب أوباما» قد جاءت من ضمن قائمة أكثر الكتب الغير خيالية مبيعاً، وليس هذا فقط بل أن أحد عشر كتاباً من تلك الكتب قد جاءت متربعة على عرش تلك القائمة كرقم واحد.

ثانياً موضوع الكتاب الذي يشغل بال الكثير وهو موضوع إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما وتعاملها مع أفغانستان ذلك البلد الذي دخلته الولايات المتحدة في عام 2001 ولم تستطع الخروج منه إلى يومنا هذا وكأن الأنظار تحوم حول فيتنام أخرى في الأفق؛ التطرق إلى سياسة أوباما الخارجية من قبل الكُتاب والمؤلفين ولاسيما للملف الأفغاني ما زال محدوداً وبالتالي فإن وجود كتاب يتناول سياسة أوباما الخارجية تجاه أفغانستان سيكون له صداه لدى المهتمين والمتابعين لهذا الشأن.

وثالثاً قدرة وودوارد على تناول المواضيع الحساسة والصعبة في الوصول إليها لاسيما تلك التي تتطلب مراجعة وثائق ومحاضر اجتماعات لرئيس الولايات المتحدة مع معاونيه وأفراد حكومته، مثل هذا الأمر سيجعل أولئك الطامحين لمعرفة المعلومة السرية وخبايا الإدارة الأميركية من المهتمين والجهات الصحفية تنظر إلى الكتاب باهتمام وتتعامل معه كمرجع لتقيم إدارة الرئيس أوباما لملف أفغانستان بشكل خاص والملفات الأخرى بشكل عام. لذلك فلا غرابة إذا ما وجدنا هذا الكتاب يحتل المركز الأول في قائمة أكثر الكتب مبيعاً في الفترة المقبلة.

ولعل الأبرز في وجهة نظرنا حول ما جاء في هذا الكتاب ـ والذي لم نقرأه بعد بل كانت مراجعتنا بناءً على التلخيص الذي ورد في صحيفتي الواشنطن بوست والنيويرك تايمز اللتين كانتا لهم السبق في النظر إلى نسخة الكتاب قبل غيرهم- يكمن في إبراز الكتاب لنزعة عدم تحمس الرئيس الأميركي لفكرة النصر في أفغانستان وفي حالة عدم الثقة الدائرة بين أفراد طاقم إدارته من سياسيين وعسكريين حول هذا الملف.

هذان الأمران في غاية الأهمية حيث أنهما يوضحان أن الرئيس غير مؤمن بفكرة الانتصار في أفغانستان وأنه يميل إلى فكرة الانسحاب من ذلك البلد ووضع خطة للانسحاب من قبل العسكريين.

التركيز المتكرر في الكتاب لرغبة الرئيس في عدم زيادة عدد القوات المسلحة في أفغانستان وتركيزه على ضرورة الانسحاب والدفع بقياداته العسكرية نحو ضرورة توفير الخطة المناسبة لذلك رغم عدم رغبتهم فعل ذلك هي رسالة واضحة ـ كما يراها المنتقدون لسياسة الرئيس ـ للطرف الآخر في هذه الحرب ـ طالبان والقاعدة ـ بأنهم ـ أي طالبان والقاعدة ـ قد حققوا هدفهم في إجهاد الأميركان في أفغانستان وخلقوا حالة من التوتر والخلاف داخل الإدارة الأميركية.

المعروف أن الاختلافات واردة بين الرئيس الأميركي ومستشاريه وأفراد حكومته وهو أمر تشهده جميع الإدارات الأميركية لاسيما في القضايا الكبيرة والحساسة ولكن أن يصل الاختلاف إلى خلاف فهو في حد ذاته مؤشر غير صحي لقدرة الرئيس على إدارة القضايا الحيوية والهامة.

لذلك فإن منتقدي الرئيس الأميركي سيستغلون هذه الحالة لصالحهم في الهجوم عليه وعلى سياسته الخارجية باعتبارها تقوض الأمن الأميركي وتساعد على زيادة التهديد للولايات المتحدة ومصالحها من قبل الجماعات الإرهابية.

ولكننا في الواقع نميل نحو فكر الرئيس أوباما في هذه المعادلة أكثر من ميلنا لفكر منتقديه. الرئيس في وجهة نظرنا اقتنع بحقيقة أن الحرب في أفغانستان كما كانت عليه في العراق هي حرب لا يمكن الانتصار فيها لذلك لم يتحدث الرئيس الأميركي ـ كما ذكر الكتاب ـ عن النصر أثناء اجتماعاته مع معاونيه وفريق إدارته المضطلع بالملف.

وهذا الأمر فيه درجة عالية من الدقة حيث أن النصر في أفغانستان هو عملية شبه مستحيلة وبالتالي لا بد للرئيس من التركيز على بُعد آخر غير النصر تماماً كما حدث في العراق حيث انسحاب معظم القوات العسكرية الأميركية من ذلك البلد قد جاءت إيماناً بحقيقة أن النصر في العراق لن يتحقق وأن إستراتيجية جديدة لا بد أن يتم تبنيها بدلاً من إستراتيجية الاعتماد على تحقيق النصر الفاشلة.

إستراتيجية أوباما الجديدة في أفغانستان قوامها الحديث عن جعل أفغانستان دولة قوية وليست دولة ضعيفة بحيث أن مثل هذا الأمر سيجعلها قادرة في التعامل مع المعطيات على أرض الواقع الأفغاني بشكل أفضل من تعامل القوات الأميركية معه، وهي ذات الإستراتيجية التي يتبعها الرئيس أوباما فيما يتعلق بالعراق. لذلك فتقوية أفغانستان هي المحور الأساسي والإستراتيجية التي يؤمن بها الرئيس أوباما في التعامل مع أفغانستان، وهذا في حد ذاته مؤشر على وجود فكر أميركي جديد في البيت البيض يختلف كل الاختلاف عن فكر سابقه.

العسكريون بالطبع لا يعجبهم هذا الأمر لأن خروجهم من أفغانستان هو وصمة عار ودليل على عجزهم وفشلهم، وبالتالي فإنهم لا يريدون أن يظهروا أمام الرأي العام الأميركي خاصة والعالمي عامة بأنهم لم ينتصروا في الحرب.

فالمعادلة التي يقوم عليها العسكريون هي يا أبيض يا أسود ولا يوجد شيء بينهما أي يا النصر يا الهزيمة، وإعلان الانسحاب من دون تحقيق الأهداف العسكرية التي وضعت لها سيعني بالنسبة للعسكريين الهزيمة.

أما السياسيون كالرئيس أوباما فإنهم يقيسون الأمور بمعايير انتخابية واقتصادية وحزبية وبالتالي يرون بأن هناك لونا بين الأبيض والأسود وهناك معادلة لا منتصر ولا مهزوم في السياسة.

بالطبع أننا من أولئك الذين يؤمنون بهذا الخط السياسي ولكننا في الشأن الأفغاني نقف عاجزين عند معرفة الكيفية التي يمكن للرئيس أوباما التعامل مع أفغانستان في فترة ما بعد الانسحاب الأميركي منه وكيفية جعله بلدا قويا، فالقراءة الأولية لا توضح لنا خطة أوباما في هذا الأمر، ولربما علينا الانتظار حتى نقرأ الكتاب ونبني عليه أحكامنا وفهمنا للموضوع بشكل أكثر دقة، ولكن الواضح أن هذا الكتاب سيخلق أثراً إيجابياً للرئيس عند البعض وسيخلق أثراً سلبياً عنه عند الآخرين.

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com