إذا كان من المعروف على نطاق واسع ان منظمة الامم المتحدة التي انشئت في عام 1945، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وتأثرا بما سببته من آلام وخراب ومعاناة شملت الكثير من دول العالم وشعوبه – وضعت تحقيق السلام والأمن الدوليين والحفاظ عليهما في مقدمة أولوياتها وأهدافها التي تعمل من أجل تحقيقها، فإن من أهم التطورات التي طرأت بشكل متزايد على الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة هو الإدراك العميق لحقيقة أن صنع وتحقيق السلام والأمن الدوليين لا يتحقق فقط من خلال الأدوات والسبل السياسية، ولكن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والتفاهم الأعمق والأوسع بين دول العالم وشعوبه هي من أهم وأبرز السبل والأدوات التي لاغنى عنها لتحقيق ذلك.
وفي الوقت الذي ظهرت ونمت فيه العديد من المنظمات والوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة والعاملة في مختلف المجالات ذات صلة بذلك، فإن الجمعية العامة للأمم المتحدة ذاتها حرصت ومنذ سنوات عديدة على الاهتمام بالجوانب التي تحقق مزيدا من التعاون بين دول العالم جميعها لتحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة من ناحية، وبما ينعكس إيجابيا على السلام والأمن والتقارب بين الشعوب على امتداد المعمورة .
من ناحية ثانية، وقد تمثل ذلك في العديد من الدورات غير العادية – أو الاستثنائية – التي عقدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكذلك القمم التي نظمتها من أجل حشد أكبر قدر من التأييد والمشاركة من جانب كل دول العالم تقريبا في التفكير والعمل للنهوض بأوضاع الجنس البشري والتعاون لتحقيق حياة أفضل، خاصة وأنه من المفيد للجميع، اغنياء وفقراء ودول ناهضة، أن يمتد التطور والتقدم والتحسن في نوعية الحياة إلى كل شعوب العالم والأخذ بيد الفقير أو المتخلف منها لوضعه على طريق التطور والتقدم ومساعدته في تحقيق ذلك، لأن السلام والاستقرار له دوما ركائزه الاقتصادية والاجتماعية.
علي أية حال فإن القمة التي عقدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في أواخر الأسبوع الماضي، لمراجعة أهداف الألفية وخاصة ما يتصل بسبل تعزيز مواجهة الفقر والتخلص منه ودفع التنمية في الدول الأكثر فقرا، هي من أهم اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تضم كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والتي يزيد عددها على 190 دولة .
ومع الوضع في الاعتبار أن قمة الأمم المتحدة لمراجعة أهداف الألفية جاءت في توقيت على جانب كبير من الأهمية، حيث سبقت مباشرة اجتماعات الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة التي بدأت فعالياتها رسميا بالفعل منذ الثلاثاء الماضي – الثلاثاء الثالث من شهر سبتمبر – فإن الاستجابة الكبيرة والحرص على المشاركة من جانب الأغلبية العظمى من الدول عبر تمثيل رفيع المستوى، يعبر على نحو واضح عن الاهتمام المتزايد والادراك الأعمق من جانب قيادات تلك الدول لأهمية وضرورة التعاون في هذا المجال، ليس من قبيل الصدقة أو الإحسان على الدول الفقيرة أو الأقل نموا.
ولكن من منطلق الترابط الوثيق للمصالح ولأسباب السلام والاستقرار في مختلف مناطق العالم، ومن ثم فانه لم يكن مصادفة أن يحرص الرئيس الأمريكي باراك أوباما على المشاركة وعلى الدعوة أيضا إلى تحقيق أهداف الألفية في الموعد المحدد لها، أي القضاء على الفقر في العالم بحلول عام 2015 وهو هدف يظل طموحا في ضوء ما تحقق بالفعل على الأرض من نتائج عملية في هذا المجال أو ذاك.
من جانب آخر فإن اجتماعات قمة الالفية أتاحت الفرصة لاجتماعات الدول المانحة لليمن وكذلك الدول المانحة لأفغانستان على سبيل المثال من أجل تفعيل التزاماتها والوفاء بتعهداتها لتمكين الجمهورية اليمنية وأفغانستان أيضا من السير نحو تحقيق الأهداف التي تم الاتفاق عليها، فالسلام والأمن والاستقرار لا يتحقق نظريا ولا بالتمني أو العهود التي لا ترى النور ولكنها تتحقق بالالتزام والتعاون والمساندة المخلصة من جانب الجميع في الشمال والجنوب
