شهر سبتمبر هو واحد من أهم الشهور المزدحمة بالمشاهد التاريخية والمعاصرة، المضيئة والقاتمة، الباعثة على الفرح والدافعة إلى الحزن بآثارها الإيجابية والسلبية، حية في وجدانها وفاعلة في توجيه مسارات ومواقف شعوبها.
فقد شهد أحداثاً عربية كبرى بعضها كان انتصاراً لحركة القومية العربية التي قادها جمال عبد الناصر ليصيغ أهدافها تحت أعلام ثلاث هي الحرية والتنمية والوحدة، وكان عليه تبعاً لذلك أن يخوض معارك ضارية مع قوى الاستعمار والصهيونية العالمية وممن ارتبطت مصالحهم بمصالحهما من أطراف إقليمية في المنطقة.
ولأن هذه القوى المعادية ظنت أن عدوها هو عبد الناصر ونسيت أنه الشعب العربي، فلقد تصورت خطأ أنها بالتخلص من عبد الناصر يمكن لها وقف المد التحرري واستعادة السيطرة الاستعمارية على كل المنطقة، وتحفل ملفات المخابرات الاستعمارية والصهيونية التي نشرتها العديد من الكتب والصحف البريطانية والأميركية، ومن الكتب العربية الحافلة بالوثائق الفاضحة للمؤامرات العدوانية على مصر، والعديد من مؤامرات الاغتيال لجمال عبد الناصر.
وأهم هذه الكتب الحافلة بالوثائق والتي تناولت بعض وقائع هذه المؤامرات ما أصدره الكاتب الصحافي الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل الذي روى فيها مشاهداته وشهاداته على الفترة التي كان فيها صديقاً ورفيقاً وشريكاً لعبد الناصر من موقعه بالقرب منه منذ ثورة 23 يوليو وحتى رحيله المفاجئ الذي أثار الصدمة والحزن بقدر ما أثار التساؤلات وبعض الشكوك أيضاً!
وإذا كان الكتاب يقرأ عادة من أول صفحة، فإننا حيث نقف الآن على بعد يومين من ذكرى حدث جلل وقع كالزلزال في يوم حزين من أيام سبتمبر عام 1970 هو يوم الثامن والعشرين، حين أطل الرئيس المصري الراحل أنور السادات ليعلن للأمة العربية كلها ذلك النبأ الحزين الذي هز وجدان ومشاعر قطاعات شعبية واسعة بوفاة رجل من أغلى الرجال، ومن أعز الرجال، ومن أغلى الرجال، جمال عبد الناصر.
لقد رحل الرجل الكبير القيمة والقامة بعد أيام ثلاثة من الجهد الجبار مع عدد من إخوانه القادة العرب أبرزهم الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز، والقائد الليبي معمر القذافي، والرئيس السوداني جعفر نميري الذين تنادوا إلى اللقاء في القاهرة بسرعة في محاولة لإطفاء نار الفتنة بين الأشقاء الفلسطينيين والأردنيين.
وسبق ذلك بعدة أيام جهد سياسي آخر ظل به يوجه الرسائل للملك حسين وللقائد أبو عمار مناشداً بوقف نزف الدم العربي الذي جرى على إثر الاقتتال المأساوي بين السلطة الأردنية والمقاومة الفلسطينية، مذكراً بأن العدو المشترك الأولى بالقتال ضده هو العدو الصهيوني الذي يحتل أرض الفلسطينيين والأردنيين.
وليس الجيش هو العدو للمقاومة وليست المقاومة هي العدو للجيش، ومشدداً على وقف ذلك الاقتتال الدامي فوراً، لأن هناك شهداء بغير قبور، وجرحى بغير دواء.
لم يشأ القدر أن تصعد روح الرجل إلى بارئها إلا بعد أن ودّعَ أميرَ الكويت، آخر القادة العرب الذين حضروا لوأد الفتنة السوداء، وبعد أن شهد توقيع وقف إطلاق النار إيذاناً بوقف الاقتتال بين العربي وأخيه العربي.
وبعد أن أعاد بناء القوات المسلحة المصرية لإزالة آثار العدوان الإسرائيلي، وهي القوات التي خاض بها على مدى ثلاث سنوات حرب الاستنزاف المجيدة ضد العدو الإسرائيلي، والتي لم تتوقف مؤقتاً إلا لتحريك حائط الصواريخ المصرية الروسية الصنع لتوفير الغطاء الجوي لعملية العبور المرتقبة، والتي عبر بها الرئيس السادات قناة السويس المصرية في حرب أكتوبر المجيدة لنتجاوز الهزيمة ونحقق النصر.
ويكفي أن نتذكر أنه في الأسبوع الأخير لحرب الاستنزاف المجيدة، أسقطت تسع طائرات إسرائيلية فانتوم وسكاي هوك الأميركية الصنع، وهو الأسبوع الذي سمي «أسبوع التساقط السريع»..
ولم يرحل عبد الناصر إلا بعد أن أعاد مع إخوانه القادة العرب صياغة معادلات القوى العربية حشداً على جبهة القتال مع العدو الصهيوني انطلاقاً من قمة الخرطوم التاريخية بلاءاتها الثلاث الشهيرة لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل ولا تصرف بالقضية الفلسطينية، بما سمح بدعم عربي لجبهات المواجهة السورية والأردنية، وبما سمح للجيش المصري في نهاية حرب الاستنزاف باستعادة زمام المبادرة تجاوزاً للهزيمة العسكرية واستعداداً لمعركة العبور.
لقد كان من أبرز الأحداث الإيجابية في سبتمبر الثورة الليبية وطردها للقواعد العسكرية الأميركية والبريطانية ودعوتها لقومية المعركة بما مثل انقلاباً استراتيجياً لصالح العرب في أول سبتمبر عام 1969، والثورة اليمنية في السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962.
ومن أهم الأحداث السلبية التي شكلت انتكاساً لها هي أحداث أيلول الأسود في الفتنة الأردنية الفلسطينية الدامية والتي توقفت في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1970، والثانية هي الحركة الانفصالية على الوحدة المصرية السورية في الثامن والعشرين من سبتمبر عام ,1961.
لتبدو توافقات الأقدار في أن تشاء إرادة الله جل في علاه أن يكون رحيل جمال عبد الناصر في ذات اليوم المشؤوم المواكب لأيام الفتنة والانفصال التي لم تكن في أي منها بعيدة عن دعم وتدبير القوى المعادية لأهداف الشعب العربي في الوحدة والحرية!
وكان يمكن لهذه الذكرى الأربعين لوفاة جمال عبد الناصر أن تمر دون ضجيج كبير لولا الضجيج الذي أحدثته دعوى قضائية تقدمت بها السيدة رقية السادات ضد الأستاذ هيكل على روايته التلفزيونية لمشهد «فنجان القهوة» الذي قدمه السادات لعبد الناصر في الهيلتون قبل وفاته، والذي لم يؤكد هيكل أنه كان مسموماً.
كما لم يؤكد أن الوفاة غير طبيعية، بل على العكس أكد أنه لا يمكن للسادات أن يفعلها لأسباب إنسانية وعاطفية وعملية، وأنه لا يمكن إطلاق اتهام بغير دليل، لذا بدت هذه الدعوى بلا داعٍ، ولا فائدة من ورائها إلا مزيداً من الضجيج!
كاتب مصري