ما حدث في حي سلوان ليلة الثلاثاء/ الأربعاء من اعتداءات للمستوطنين المزروعين في هذا الحي وسط عشرات الآلاف من الممواطنين الفلسطينيين. وهم لا يتوقفون عن استفزاز المواطنين ومضايقتهم ليلا ونهارا- يؤكد صدفية الموقف الفلسطيني الرسمي والشعبي الذي يرفض الظاهرة الاستيطانية، ويعتبرها غير شرعية ويطالب ليس فقط بتجميد الاستيطان، بل أيضا بتصفية هذه الظاهرة، إذا كان للسلام الشامل والدائم أن يتحقق في هذه المنطقة.

تدعي الحكومة الاسرائيلية والحكومات السابقة لها أن الهدف من الاستيطان هو الأمن. وهذا ادعاء يخفي وراءه الأهداف الحقيقية من هذه الظاهرة، المرفوضة فلسطينيا وعربيا ودوليا، والمتمثلة في تهويد الأراضي الفلسطينية وإحلال شعب محل شعب آخر. وإلا فلماذا تزرع البؤر الاستيطانية حول التجمعات السكنية الفلسطينية، بل وداخل هذه التجمعات، كما هي الحال في سلوان والخليل والشيخ جراح وشعفاط والخان الأحمر، وحول البلدات العربية في محافظات رام الله ونابلس وسلفيت وجنين وقليقيلية وغيرها؟

من الواضح أن الهدف هو خنق هذه التجمعات الفلسطينية، وذلك من خلال عزلها عن بعضها البعض بهذه المستوطنات، وفي الوقت نفسه إنعاش وتغذية المستوطنات اليهودية وزيادة عدد المستوطنين بحيث يصبحون أقلية كبيرة، أو ربما أغلبية مطلقة خلال عدد من السنين، بما يمنع إقامة الدولة الفلسطينية المتواصلة جغرافيا. علما بأن قرارات الشرعية الدولية نصت على حدود واضحة لهذه الدولة، وهي حدود العام ١٩٦٧ التي حولتها المستوطنات إلى مجرد رسومات على الخرائط القديمة، أو تلك الموجودة بأيدي المفاوضين الفلسطينيين.

وعودة إلى أحداث سلوان، التي يتواجد فيها بضع مئات من المستوطنين المستفزين، وسط آلاف من الفلسطينيين. فلماذا توفر السلطات الاسرائيلية الحماية لهؤلاء المستوطنين، الأمر الذي يشجعهم على الاعتداء على المواطنين واستثارة مشاعرهم؟ بل لماذا يتواجد هؤلاء كالشوكة في حلق الفلسطينيين في ذلك الحي، كما هو الوضع تماما في الخليل، حيث يفرض بضع مئات من المستوطنين المتطرفين وجودهم مدعومين بحماية الجيش الاسرائيلي على عشرات الآلاف من الفلسطينيين في الخليل القديمة ،ويحولون حياتهم إلى جحيم لا يطاق، وتسكت السلطات الاسرائيلية عن تصرفاتهم واستفزازاتهم، ومضايقاتهم للمواطنين في المدينة؟

ماحدث في سلوان من إطلاق للنار على الشبان الفلسطينيين في الحي كانوا يحتجون على المضايقات الاستيطانية، ما أسفر عن استشهاد الشاب سمير سرحان وإصابة خمسة آخرين وإثارة الرعب في نفوس الأطفال والنساء، يؤكد أن وجود المستوطنين في محيط التجمعات السكانية الفلسطينية، وفي داخلها، هو سبب للتوتر والمواجهات، وبالتالي فهو تهديد للاستقرار ولعملية السلام ذاتها.

الجانب الفلسطيني يطالب بوقف التوسع الاستيطاني كمقدمة لتفكيك جميع المستوطنات التي أقيمت رغما عن الفلسطينيين في الضفة الغربية عامة، والقدس خاصة. وما وقع ليلة أمس الأول يقرع ناقوس الخطر، وينبه الأسرة الدولية للقيام بمسؤولياتها نحو احتواء الظاهرة الاستيطانية، قبل أن تصبح تهديدا مباشرا للوجود الفلسطيني في الضفة والقدس. وحين يطالب الفلسطينيون بوقف البناء الاستيطاني، ويصر رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو على مواصلة هذا التوسع، فإن ذلك من شأنه أن يوضح للعالم المخاطر التي تتهدد الشعب الفلسطيني نتيجة للاستيطان والمستوطنين.

والمطلوب وقفة دولية حازمة، تشارك فيها الولايات المتحدة ومجلس الأمن الدولي، لإعادة عملية السلام إلى مساراتها الحقيقية التي نصت عليها المرجعيات الشرعية الدولية، وأهمها إنهاء وتصفية الاستيطان، وإقامة الدولة الفلسطينية في حدود ١٩٦٧على أرض خالية من الاحتلال الاسرائيلي، بشقيه العسكري والاستيطاني.