بالأمس القريب وحتى مطلع عقد التسعينيات من القرن المنصرم، كان الجهاد الإسلامي هو الحليف الاستراتيجي المفضل لدى الولايات المتحدة ضد الشيوعية والمد الشيوعي العالمي. الآن، وعلى مدى العقدين الأخيرين، انقلب الوضع إلى ضده بالكامل. فقد صار الإسلام في نظر الطبقة الحاكمة الأميركية، هو العدو الاستراتيجي الأعظم الذي ينبغي أن يحارب بلا هوادة.
فما علة هذا التحول التاريخي الأكبر؟ قصة أفغانستان ما بين عهدين كفيلة وحدها بشرح السبب.
فخلال عقد الثمانينيات وحتى أوائل العقد التالي، كانت الولايات المتحدة تناصر راية الجهاد الإسلامي، بتحالفها مع الجماعات الجهادية الأفغانية في شن حرب تحرير شاملة ضد الوجود الاحتلالي السوفييتي في الأراضي الأفغانية، والذي كان يحمي ويدعم حكومة أفغانية ماركسية.
ونعرف بقية القصة؛ بالاستفادة من الدعم الأميركي الضخم في التسليح والتمويل والعمل الاستخباراتي والدعاية الإعلامية، تمكنت جماعات الجهاد بعد حرب شرسة، من الإطاحة بالحكومة الشيوعية وإجبار القوات السوفييتية على الرحيل مشيعةً بذل وهوان. وهكذا استولت القيادات الجهادية على السلطة، فأنشأت تحت رعاية الولايات المتحدة نظام حكم إسلامي.
ذلك كان الفصل الأخير لما يطلق عليه «الحرب الباردة»، بين المعسكر الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة والمعسكر الاشتراكي الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي. فقد كانت الهزيمة التي تلقاها الجيش السوفييتي في الأراضي الأفغانية، إيذانا بانهيار المعسكر الاشتراكي ابتداء من مطلع عقد التسعينيات.
مسلسل الحرب الباردة بدأ، كما هو معلوم، في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية. ومنذ الوهلة الأولى كان من الواضح أنه صراع أيديولوجي، يتطلب من كلا الجانبين استخدام أدوات ووسائل أيديولوجية بالدرجة الأولى.
وبما أن العالم الإسلامي كان أحد مسارح هذا الصراع الذي كان يتفاعل على المستوى العالمي أجمع، فإن خبراء الحروب الأيديولوجية في الولايات المتحدة، فطنوا إلى أن الإسلام يصلح لأن يكون أداة سياسية فاعلة ضد المد الشيوعي العالمي.. وفي نفس الوقت، أداة ضد تيار القومية العربية الذي كان يتصاعد بعنفوان خلال عقدي الخمسينيات والستينيات، بعد دخول الناصرية على الخط.
انطلاقا من هذا الاكتشاف، شرعت الولايات المتحدة في تشكيل جبهة عريضة من دول ومنظمات عربية وإسلامية، لمحاربة «الإلحاد الشيوعي» باسم الإسلام. وتطبيقا لهذا النهج، دبرت حملات أميركية ضد الأنظمة الحاكمة والأحزاب والتنظيمات ذات الطابع اليساري، مع الحرص في الوقت نفسه على دعم الأنظمة والتنظيمات العربية والإسلامية، التي تقبل التحالف مع الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصا، في شن الحرب «المقدسة» ضد الشيوعية الماركسية كأيديولوجية، وضد المعسكر السوفييتي.
وبلغت الحملة الأميركية ذروتها في عام 1968، عندما نجحت واشنطن في إنشاء ما أطلق عليه «الحلف الإسلامي»، الذي كان يتكون من مجموعة دول عربية ودول إسلامية، تحت قيادة شاه إيران محمد رضا بهلوي. كان حلفا موجها على وجه التحديد ضد تيار القومية العربية.. بل وضد زعامة عبد الناصر بصفة خاصة. ولإدراك المغزى من إنشاء هذا التجمع، علينا أن نستذكر أمرين:
أولا؛ أنه عند قيام الحلف كانت إيران الشاه قد اعترفت رسميا بإسرائيل، مما يعني أن الهدف الأميركي بعيد المدى، كان جر دول الحلف إلى طريق يفضي بها إلى الاعتراف بالدولة اليهودية.
ثانيا؛ كان شعار الحلف هو تبني الدعوة إلى الإسلام. وانطلاقا من هذا الشعار، دمغت دول الحلف دعوة القومية العربية بالإلحاد.
على أن من المثير حقا أن الولايات المتحدة سعت في هذه الأثناء، وفي سياق حملتها ضد التيار الشيوعي والمعسكر الاشتراكي السوفييتي، إلى استقطاب الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي. وقد نجحت إلى حد ما في هذا المسعى، وقصة حل الحزب الشيوعي في السودان ذات صلة بهذا الأمر.
لقد جرت عملية حظر الحزب في عام 1965، وكان تنظيما له نواب منتخبون في البرلمان، وفق خطة من تدبير ممثل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في السفارة الأميركية في الخرطوم.
ولكن تنفيذ الخطة على الصعيد التطبيقي، كان على يد تنظيم إسلامي. فباسم «محاربة الإلحاد» كان هذا التنظيم رأس الحربة في حملة قوية، لاستشارة البرلمان والشارع على حد سواء، لحشد التأييد لحل الحزب الشيوعي.
الآن، وعلى مدى العشرين عاما الأخيرة، انتقلت الولايات المتحدة من حال إلى حال. لقد انتهى وجود المعسكر الاشتراكي السوفييتي في ساحة الصراع الدولي. ومعنى نهاية هذا الوجود، هو نهاية الحرب الباردة.
لكن لماذا أضحى الإسلام والتيار الإسلامي العالمي، هو العدو الاستراتيجي الأعظم من المنظور الأميركي.. بعد أن كان الحليف الاستراتيجي المفضل؟
علينا أن ندرك أولا أن علاقة الولايات المتحدة الحميمة مع الإسلام والتنظيمات الإسلامية، لم تكن من وجهة نظر الجانبين سوى تدبير «تكتيكي» مرحلي ضد المد الشيوعي «الإلحادي».
وبتلاشي هذا الخطر صار الجانبان في مواجهة: أميركا بأجندتها الأصلية في فرض هيمنة شاملة على العالم بأسره.. والمنظمات الإسلامية الراديكالية بأجندتها الأيديولوجية الإسلامية ذات التوجه العالمي.
وهكذا يشتعل صراع تاريخي جديد..
كاتب.. وصحافي سوداني
