إذا كانت عملية التدوير تهدف إلى الاستفادة من النفايات وإعادة التشكيل في صور جديدة ونافعة، فإن الحياة السياسية العربية يتم تدويرها لتنتج صوراً سياسية أكثر سوءاً مما كان عليه الحال سابقاً.

فعبر ما يزيد على نصف القرن، لم تستطع «الدولة» العربية أن تؤسس لمفاهيم حقيقية، تؤصل بها مكانتها ووضعيتها القائدة لعملية التنمية السياسية والاجتماعية. فالملاحظ أن الدولة تعاود مرة أخرى تدوير أسوأ ما فيها، منتجة صوراً جديدة من التدهور والتخلف السياسي.

من أبرز منتجات عملية التدوير السياسي، تصاعد نغمة «الوطنية» بشكل زاعق ومخيف. فالملاحظ أن الوطنية أصبحت أداة الدولة في عالمنا العربي، من أجل تجييش المواطنين وتوجيههم الوجهة التي تريد.

ومن غرائب الأمر أنه في الوقت الذي يستغل فيه الكثير من الدول العربية مواطنيها اقتصادياً وسياسياً، فإنهم ينبرون للدفاع عنها والنيل من الآخرين الذين ربما يكونون في وضع صحيح.

ففي ظل تراجع معدلات التنمية العربية، تتصدر الحياة السياسية مفاهيم تتعلق بالوطنية والانتماء والشرف الوطني، بدرجة غير مسبوقة، وبشكل يدفع للمزيد من المواجهات الحدودية والحروب الكلامية الإعلامية.

وترتبط بما سبق زيادة قدرات أجهزة الدولة الإعلامية والأمنية على توجيه التهم الجاهزة للمعارضين، بالخيانة والعمالة للآخرين، حيث تصير القاعدة «من ليس معنا فهو ضدنا»! وعلى الرغم من أن الدولة تحوز على نسبة كبيرة من التأييد من المنافقين والمتربحين، فإنها لا ترضي بمن يعارضها أو يختلف معها.

ويكاد لا يوجد بلد عربي واحد، لا يواجه فيه المعارضون الكثير من أشكال ملاحقة الدولة لهم. فالأخيرة يصيبها الخوف من أي صوت معارض لها، رغم التفاوتات بينها في أشكال القمع الخاصة بكل منها.

ولا يقف الأمر فقط عند ملاحقة الأفراد المعارضين، بل يتعدى ذلك إلى ملاحقة الجماعات الدينية والسياسية المختلفة. وهو أمر أضر بالدولة على مستويين؛ أولهما عدم قدرتها على فرض الولاء العام لها، وثانيهما تحول تلك الجماعات الدينية والعرقية إلى جماعات منغلقة لا يهمها سوى مصالح المنتمين لها، بغض النظر عن الصالح العام.

لقد أضر ذلك بالنسيج الوطني الحقيقي في الكثير من الدول العربية، وربما تبرز حالتا السودان والعراق كنموذجين واضحين على ذلك، إضافة للعديد من الحالات الأخرى القادمة لا محالة لمثل تلك الوضعية المخيفة.وفي إطار ذلك يعم الانغلاق السياسي تماماً، ولا يشي الواقع العربي بأية إمكانية للانفتاح والتغيير الحقيقيين.

فما يحدث هو اجترار لخطابات قديمة قدم الدولة الرسمية العربية، دون أي معالجات حقيقية تؤدي لتغيير حقيقي. من هنا يعي المواطن العربي البسيط، وربما الساذج، أن الخطاب الرسمي المعلن وما يرتبط به من آلة إعلامية هائلة، مجرد كلام في كلام لن يؤدي للتغيير والتطور.

والشيء اللافت للنظر أننا تعودنا على المقولات السياسية نفسها، التي لم تعد تثير فينا الضحك والتهكم. وهو أمر ربما يفسر تلك الحالة الجديدة من الانتماء لزعامات دينية أو عرقية منغلقة، تدعم انفصالها عن الدولة من تحت الطاولة، من أجل تدعيم مكانتها وبسط نفوذها.

ولا ينفصل ما يقوم به المواطن العادي عما تقوم به الدولة ذاتها؛ فهو في النهاية يمثل نتاجاً لها وتطويراً أو تدويراً فجاً لجملة ممارساتها. فالذي يحدث في الواقع، أن المواطن يلهث وراء القضايا الغوغائية، أكثر من اهتمامه بالقضايا الحقيقية التي يأتي على رأسها توسيع مساحة المشاركة السياسية والعدل الاجتماعي.

وفي هذا السياق تصبح القضايا التي تمس هيبة الدين، سواء داخليا أو خارجيا، وسواء أكانت تمس الأغلبية أو الأقلية، هي تلك القضايا التي تلهب حماس المواطنين وتدفع بهم نحو التظاهر والتعبير، وربما الاقتتال!

فالمواطن العربي مُعاد تدويره من أكثر الأشكال بدائية وصلفاً، ومن أكثر الوحدات الاجتماعية جموداً وارتباطاً.

وبديلاً عن إعادة تفكيك تلك الولاءات ضمن مساحة الدولة الأرحب والأكثر احتضاناً للجميع، بالمعنى السياسي والاجتماعي، فإنه تتم إعادة إنتاجها وتدويرها، ضمن وحدات أخرى أكثر ضيقاً وأشد فتكاً من الوحدات القديمة المتعارف عليها.

إن عمليات الفقس المستمرة لتلك الوحدات، هي أخطر ما يتهدد الواقع العربي الحالي، خصوصا في ظل هيمنة خطاب العولمة والتأثيرات الغربية المستمرة، التي لا تكل من التدخل وفرض خطاباتها الفكرية العديدة.

ولعل ذلك هو ما يفسر ترحيب الغرب بكل ما ينتمي لخطاباته المختلفة، بل ومسارعة البعض منا إلى تدعيم تلك الخطابات كسباً وتودداً له.

لا تستطيع الدول أن تعيد بناء ذاتها وهي تجتر العناصر القديمة نفسها، لتعيد تدويرها في صور وأشكال أكثر قبحاً مما كان عليه الحال. وهي مسألة يجب أن تتداركها الدول العربية.

من خلال توسيع دائرة المشاركة السياسية والاجتماعية من ناحية، والعمل على الدفع بأطر فكرية، من ناحية ثانية، تؤسس لمفاهيم جديدة تحرك الركود العربي الجاثم منذ ما يزيد على نصف القرن.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com